
زكريا نمر
لا تسقط الدول عندما تنهار عملاتها، ولا عندما تتراجع أسعار النفط، ولا حتى عندما تخسر الحروب. إنها تبدأ بالسقوط يوم تتحول المدرسة من مصنع للعقول إلى مصنع للطاعة، ومن فضاء للأسئلة إلى سجن للأفكار. فكل انهيار سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي يسبقه دائما انهيار صامت داخل الفصول الدراسية، حيث يقتل الفضول، ويكافأ الحفظ، ويعاقب التفكير.لهذا فإن أزمة التعليم ليست أزمة مناهج أو مبان أو امتحانات، بل أزمة مشروع وطني. فالدولة التي تريد مواطنا حرا تبني مدرسة تعلمه كيف يفكر، أما الدولة التي تخشى شعبها فإنها تبني مدرسة تعلمه ماذا يفكر. والفرق بين المشروعين هو الفرق بين أمة تصنع الحضارة، وأخرى تستهلك ما يصنعه غيرها.
ليست المدرسة مؤسسة محايدة كما يعتقد كثيرون، بل هي أكثر مؤسسات الدولة تأثيرا في تشكيل المستقبل. فمن داخل الصفوف تتكون شخصية المواطن، وتتحدد علاقته بالسلطة، وبالقانون، وبالوطن، وبالاختلاف، وبالحقيقة. لذلك فإن الأنظمة السلطوية لا تخشى الجامعات بسبب المباني، وإنما بسبب العقول التي قد تخرج منها إذا أصبحت مستقلة.كل مشروع استبدادي يبدأ بإخضاع التعليم. يبدأ بإفراغ المناهج من التفكير النقدي، وتحويل التاريخ إلى دعاية، والوطنية إلى تمجيد للحاكم، والطاعة إلى فضيلة مطلقة. وعندما يعتاد الطفل منذ سنواته الأولى على أن الإجابة الصحيحة هي ما يقوله المعلم، لا ما يثبته العقل، يصبح من السهل لاحقا أن يقبل أي خطاب سياسي دون مساءلة.وهكذا لا يعود التعليم وسيلة للتحرر، بل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الخضوع جيلا بعد جيل.في كثير من الدول الفقيرة، يفاخر المسؤولون بعدد المدارس والجامعات التي افتتحت، لكنهم يتجنبون السؤال الأهم: ماذا تنتج هذه المؤسسات؟ هل تنتج علماء أم عاطلين؟ هل تنتج باحثين أم حفظة؟ هل تنتج رواد أعمال أم موظفين ينتظرون التعيين؟ إن تضخم أعداد الجامعات لا يعني شيئا إذا كانت عاجزة عن إنتاج معرفة أو حل مشكلات المجتمع.لقد أصبح الحصول على الشهادة هدفا بديلا عن الحصول على المعرفة. وتحولت الجامعة من فضاء للبحث والاكتشاف إلى محطة للحصول على ورقة تفتح باب الوظيفة، حتى وإن كان صاحبها لا يمتلك الحد الأدنى من المهارات المطلوبة. وهكذا تتراكم الشهادات، بينما يتراجع الإنتاج، ويزداد الاعتماد على الخبرات الأجنبية، لأن النظام التعليمي لم ينتج الكفاءة التي يحتاجها الاقتصاد.
إن التعليم التقليدي أنه يربي الإنسان على الخوف. يخاف من الخطأ، ويخاف من السؤال، ويخاف من الاختلاف، ويخاف من التجربة. بينما الحضارة الإنسانية كلها قامت على أشخاص تجرأوا على التشكيك في المسلمات، ورفضوا الإجابات الجاهزة، وأعادوا النظر فيما اعتبره الناس حقائق نهائية.المجتمعات التي تمنع أبناءها من التفكير لا تمنعهم من الخطأ، بل تمنعهم من اكتشاف الصواب.و يمكن فهم العلاقة بين التعليم والفساد. فالموظف الذي لم يتعلم قيمة النزاهة، ولم يتدرب على التفكير المستقل، سيكون أكثر استعدادا للخضوع للأوامر غير القانونية. والسياسي الذي لم يتعلم ثقافة المساءلة، سيعتبر السلطة امتيازا شخصيا لا مسؤولية عامة. والقاضي الذي لم يترب على استقلال العقل، سيجد صعوبة في مقاومة الضغوط السياسية. لذلك فإن الفساد لا يبدأ في الوزارة، بل يبدأ في المدرسة.وفي دول تعاني الانقسامات القبلية، تصبح المدرسة خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية. فإذا فشلت في بناء مفهوم المواطنة، تركت الفراغ لتملأه القبيلة والطائفة والجهة. وعندما يتخرج الطالب وهو يعرف قبيلته أكثر مما يعرف وطنه، فإن الدولة تكون قد خسرت أهم معاركها قبل أن تبدأ.ولهذا فإن التنمية لا تحتاج إلى مزيد من الخطب السياسية، بل إلى ثورة تعليمية حقيقية. ثورة تعيد الاعتبار للمعلم، وتربط التعليم بسوق العمل، وتجعل البحث العلمي أولوية وطنية، وتمنح الجامعات استقلالها، وتستبدل ثقافة التلقين بثقافة الحوار، والحفظ بالفهم، والخوف بالحرية.إن الاستثمار الحقيقي ليس في استخراج النفط، وإنما في استخراج الطاقات الكامنة داخل الإنسان. فالثروات الطبيعية قد تنضب، أما العقول المبدعة فهي الثروة الوحيدة التي تتضاعف كلما استثمرت فيها الدولة.
إن الدول التي تقود العالم اليوم لم تصل إلى ذلك لأنها تملك الموارد الأكبر، بل لأنها تملك المدارس الأفضل، والجامعات الأقوى، والباحثين الأكثر حرية. بينما بقيت دول غنية بالموارد وفقيرة بالعقول، لأنها اعتبرت التعليم خدمة اجتماعية لا مشروعا حضاريا.لن تنهض أمة يخشى معلمها أن يناقش، ويخاف طالبها أن يسأل، وتخضع جامعاتها للولاء بدلا من الكفاءة. ولن يبنى اقتصاد حديث بعقول تدربت على التكرار أكثر مما تدربت على الابتكار.إن السؤال الحقيقي ليس: كم مدرسة بنينا؟ بل كم عقلا حررنا؟ وليس: كم جامعة افتتحنا؟ بل كم فكرة جديدة أنتجنا؟ فالأمم لا تقاس بعدد المباني التعليمية، وإنما بعدد العقول القادرة على تغيير الواقع.ولهذا فإن معركة التعليم ليست معركة المعلمين وحدهم، ولا الطلاب وحدهم، بل هي معركة المجتمع كله. فمن ينتصر في المدرسة اليوم، يمتلك الاقتصاد والسياسة والثقافة غدا. ومن يترك المدرسة أسيرة للتلقين والبيروقراطية والدعاية، فلن يحصد إلا مزيدا من الفقر، والفساد، والاستبداد، مهما امتلك من نفط أو ذهب أو شعارات وطنية.إن المدرسة ليست المكان الذي نتعلم فيه فقط، بل المكان الذي يتقرر فيه مصير الدولة. فإذا مات العقل داخل الصف، فلن تستطيع أي حكومة أن تحيي الوطن بعد ذلك.



