
✍️محمد الفاتح حضرة
🧐لا يزال بعض أبناء الشعب السوداني يعتقدون أن مأساة البلاد ستنتهي بمجرد انتصار الجيش على قوات الدعم السريع.
ولكن…
هل هذا صحيح؟ 🤔
دعونا نطرح سؤالاً أكثر أهمية:
هل كان السودان، قبل اندلاع الحرب، يسير نحو دولة القانون والتنمية والاستقرار؟
وهل كان انقلاب 25 أكتوبر 2021 بداية مشروع وطني جديد، أم كان عودةً إلى الحلقة القديمة التي ظل السودان يدور فيها منذ الاستقلال؟
الجواب يعرفه كل سوداني.
فلو لم يقع الصراع لاحقاً بين قادة الجيش وقادة الدعم السريع حول السلطة والثروة والنفوذ، لاستمرت البلاد في السير في الطريق نفسه الذي كانت تسير فيه قبل الحرب.
بلد بلا مشروع وطني جامع…
وبلا مؤسسات مستقلة…
وبلا رؤية اقتصادية…
وبلا سيادة حقيقية للقانون.
ولذلك فإن الاعتقاد بأن مجرد انتصار أحد طرفي الحرب سيصنع دولة جديدة، هو تجاهل لجذور الأزمة الحقيقية.
الدول لا تُبنى بالبندقية
تؤكد العلوم السياسية والإدارة العامة أن الدولة الحديثة لا تقوم على القوة العسكرية، وإنما تقوم على المؤسسات.
فنهضة الأمم لا يصنعها الجنرالات، وإنما يصنعها الدستور، والمؤسسات، والتخطيط، والكفاءة، والتعليم، والإنتاج، والشفافية، والمحاسبة، وسيادة القانون.
أما القوة العسكرية فهي وسيلة لحماية الدولة، وليست بديلاً عنها.
ولهذا فإن الدول المتقدمة تفصل بين وظيفة الجيش ووظيفة الحكومة.
ما وظيفة الجيش؟
في كل دولة دستورية محترمة، توجد مؤسسة عسكرية قوية ومحترفة.
لكن مهمتها حماية الحدود، والدفاع عن سيادة الوطن، وحماية الدستور.
أما إدارة الاقتصاد، وإدارة السياسة، وإدارة الدولة، وإدارة القضاء، وصناعة المستقبل، فهذه كلها مسؤوليات الحكومات المدنية التي تخضع لرقابة الشعب والدستور.
فنجاح الجيش يقاس بقدرته على حماية الوطن، لا بقدرته على البقاء في السلطة.
الدولة ليست هي الحكومة… والحكومة ليست هي الحزب
ومن المبادئ المستقرة في العلوم السياسية أن الدولة ليست هي الحكومة، والحكومة ليست هي الحزب الحاكم.
الدولة باقية…
أما الحكومات فتتغير.
والأحزاب تتنافس.
والرؤساء يرحلون.
أما مؤسسات الدولة فيجب أن تبقى محايدة، تعمل وفق الدستور والقانون، لا وفق إرادة حزب أو قائد أو جماعة مسلحة.
فالجيش جيش لكل الوطن…
والقضاء قضاء لكل الناس…
والشرطة تحمي الجميع…
والنيابة العامة تطبق القانون على الجميع…
والخدمة المدنية تخدم جميع المواطنين، لا الحزب الحاكم.
وهنا يبدأ انهيار الدول
في الدول المتقدمة تبقى الدولة ثابتة مهما تغيرت الحكومات.
أما في الدول المتخلفة، فتذوب الحدود بين الدولة والحكومة والحزب الحاكم.
فيتحول الحزب إلى دولة…
وتتحول الدولة إلى حزب…
وتصبح مؤسسات الدولة أدوات لحماية السلطة بدلاً من حماية الشعب.
ويصبح الولاء للحاكم مقدماً على الكفاءة.
والتمكين بديلاً للعدالة.
والمحسوبية بديلاً للقانون.
وهذه كانت، ولا تزال، واحدة من أخطر أزمات السودان.
انظروا إلى الواقع… لا إلى الشعارات
إذا أردت أن تعرف كيف سيكون أي طرف في حكم السودان غداً…
فانظر إلى الطريقة التي أدار بها المناطق التي يسيطر عليها اليوم.
وانظر إلى الطريقة التي تعامل بها طرفا الحرب مع مؤسسات الدولة منذ اندلاع القتال.
لقد دُمِّرت الوزارات…
والمحاكم…
والنيابات…
والجامعات…
والمستشفيات…
ومحطات الكهرباء…
وشبكات المياه…
والمطارات…
والجسور…
والمصانع…
والأسواق…
وغيرها من المرافق التي تقوم عليها حياة الناس.
وهذا وحده يكشف جانباً مهماً من الثقافة التي تحكم سلوك المتحاربين.
فالدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على حماية مؤسساتها، لا بتدميرها.
هل أنتم راضون عن الواقع؟
انظروا إلى المناطق التي يسيطر عليها المتحاربون.
هل عاد الأمن والاستقرار؟
هل استعادت الشرطة والقضاء والنيابة دورها الطبيعي؟
هل بدأت إعادة إعمار الجسور، ومحطات الكهرباء، وشبكات المياه، والمستشفيات، والجامعات، والمدارس، والمطارات، والمصانع؟
أم أن السلاح لا يزال هو صاحب الكلمة الأولى؟
وأينما ضعفت الدولة، ظهرت الكتائب، والميليشيات، والعصابات المسلحة، والمرتزقة، وتراجع سلطان القانون.
فالدولة لا تُقاس بعدد البنادق…
بل تُقاس بقدرتها على حماية حياة الناس وحقوقهم ومستقبلهم.
ما الذي يحتاجه السودان؟
حتى لو توقفت الحرب غداً…
فلن ينهض السودان تلقائياً.
لن تعود الكهرباء بالشعارات.
ولن تعود المياه بالخطب.
ولن يعود الاقتصاد بالبيانات العسكرية.
ولن يعود ملايين النازحين واللاجئين بمجرد توقف إطلاق النار.
إن إعادة بناء السودان تحتاج إلى مشروع وطني حقيقي…
ودولة مؤسسات…
ودستور يحكم الجميع…
وقضاء مستقل…
ونيابة عامة مستقلة…
وخدمة مدنية مهنية…
واقتصاد منتج…
وكفاءات وطنية تُقدَّم على الولاءات العسكرية والحزبية.
فيا شعب السودان… لا تخدعوا أنفسكم
لا تنتظروا أن يبني السودان من دمّر مؤسسات السودان.
ولا تنتظروا أن يقيم دولة القانون من اعتاد أن يجعل البندقية فوق القانون.
ولا تنتظروا أن يعيد الإعمار من لم يجعل إعادة إعمار الإنسان والمؤسسات أولوية وهو يسيطر على الأرض.
قادة الجيش: هم الحكومة ‼️
أي منطق هذا؟!
لعل من أكثر الأمور إثارةً للدهشة أن كثيراً من السودانيين لا يزالون يعتقدون أن ضابطاً عسكرياً، أو أربعة أو خمسة ضباط يجتمعون في مجلس عسكري، يصبحون بمجرد استيلائهم على السلطة مؤهلين لإدارة دولة يبلغ عدد سكانها عشرات الملايين.
من أين جاءت هذه الفكرة؟
وهل إدارة دولة حديثة تشبه قيادة كتيبة عسكرية؟
إن إدارة الدولة علمٌ قائم بذاته.
لها علومها، واقتصادها، وإدارتها العامة، وتخطيطها الاستراتيجي، وقوانينها، وعلاقاتها الدولية، وسياساتها المالية والنقدية، وإدارة التعليم، والصحة، والزراعة، والصناعة، والطاقة، والاستثمار، والعدالة، والخدمة المدنية.
وهل يُعقل أن يحيط بضعة أشخاص، مهما بلغت خبرتهم العسكرية، بكل هذه العلوم والتخصصات؟
إن الدول الحديثة لا تُدار بعقل فرد، ولا بمجلس عسكري، وإنما تُدار بمؤسسات مدنية متخصصة، وخبرات متراكمة، وكفاءات علمية، وآليات للمساءلة، وتخطيط طويل الأمد.
ولهذا فإن الشعوب التي تريد بناء دولة لا تبحث عن الحاكم الأقوى، وإنما تبحث عن النظام الأكفأ.
أما الاعتقاد بأن بضعة ضباط يستطيعون، بمجرد حملهم للسلاح أو استيلائهم على السلطة، إدارة دولة كاملة بكل تعقيداتها، فهو أحد الأوهام السياسية التي دفعت السودان ثمنها مراراً عبر تاريخه.
إن أوهام الحكم العسكري جرّبها السودان مراراً…
وفي كل مرة كانت النتيجة انقلاباً جديداً، أو حرباً جديدة، أو استبداداً جديداً، أو انهياراً جديداً.
إن المشكلة ليست في اسم الجنرال…
ولا في اسم الميليشيا…
بل في الفكرة نفسها…
فكرة أن البندقية تستطيع أن تبني دولة.
وهذا وهم.
لقد أثبت تاريخ السودان أن الجيوش تستطيع أن تحمي الأوطان عندما تلتزم بواجبها المهني، لكنها لا تبني الدول، ولا تدير التنمية، ولا تصنع العدالة، ولا تنشئ مؤسسات الحكم الرشيد.
فيا شعب السودان… لا تنتظروا وهم حكومة العسكر… فتخدعوا أنفسكم.
اختاروا دولةً يحكمها الدستور، لا البنادق.
اختاروا دولة المؤسسات، لا دولة الأشخاص.
اختاروا سيادة القانون، لا سيادة القوة.
فالسودان لن ينهض بانتصار بندقية على بندقية… وإنما ينهض يوم ينتصر الدستور على البندقية، وتنتصر الدولة على حكم السلاح، وينتصر الشعب على ثقافة الاستبداد.



