الأعمدة

عندما كانت المواصلات فى بحرى بالترام !! (1)

بقلم : أمير شاهين
فى مقال سابق تحدثنا عن الحالة السودانية الشاذة وهى ان السودان هو بلد البدايات الواعدة والنهايات المؤلمة !! وذلك على عكس قانون التطور الطبيعى حيث تكون البدايات متواضعة و النهايات عظيمة وضربنا العديد من الامثلة فى هذا الصدد , ولعل واحد من اسباب هذا التدهور هو جهلنا التام او عدم اهتمامنا بالتاريخ !! وكيف ذلك ؟؟ تكمن اهمية دراسة التاريخ فى كونها “البوصلة” لصناعة المستقبل؛ فهي ليست مجرد سرد لأحداث ماضية، بل أداة أساسية لاستشراف المستقبل. من خلال تحليل نجاحات وإخفاقات االازمنة السابقة، يمكننا تفادي الأخطاء، اتخاذ قرارات صائبة، وفهم سنن التغير والنهوض، مما يساعدنا في رسم سياسات وخطط استراتيجية مستدامة للأفراد والمجتمعات على حد سواء . والتاريخ يساعدنا عبر استخلاص العبر من الماضي. والتنبؤ بمسارات المستقبل لتجنب الاخطاء ! وكما قال الفيلسوف الاسبانى الامريكى جورج سانتيانا ان الذين لا يتعظون من التاريخ يعيدون تكرار نفس الاخطاء , فلا يمكن تفسير الأحداث السياسية والاجتماعية المعاصرة بمعزل عن جذورها التاريخية. كما يمثل التاريخ مختبراً بشرياً يعرض أسباب صعود الحضارات وسقوطها، مما يساعدنا في اتخاذ قرارات أفضل وتفادي الأخطاء السابقة. ولذلك فان التخطيط للمستقبل لابد ان يستصحب معه الماضى ! فالطبيب عند تشخيصه المحترف للمرض فان اول ما يسال عنه هو منذ متى بدأت الاعراض !! وهنالك عبارة شهيرة لهنرى كيسينجر وزير الخارجية الامريكى الاسبق و الذى يعتبر من اشهر من تولى هذا المنصب فهو يقول: “التاريخ منجم زاخر بالحكمة، التي قد تجد فيها المفاتيح الذهبية لمشاكل حاضرنا”، تعكس رؤيته الفلسفية بأن التاريخ ليس مجرد سرد لأحداث ماضية، بل هو مختبر بشري حي والمصدر الأساسي لاستخلاص الدروس لتوجيه السياسة واتخاذ القرارات الاستراتيجية .
عرف سكان العاصمة المثلثة ( الخرطوم و ام درمان و بحرى) ومنذ وقت مبكر وتحديدا العام 1904م خدمات المواصلات العامة عن طريق استخدام الترام او الترماج وهو لـ ترام Tram أو Tramway هو وسيلة نقل عام كهربائية تسير على قضبان حديدية مثبتة في شوارع المدن، وغالباً ما تتشارك المسار مع السيارات والمركبات الأخرى , والترام يشبه القطار فى شكله ولكنه أصغر حجماً وأخف وزناً، ويسير بسرعات منخفضة داخل المناطق الحضرية و يُستخدم لنقل الركاب لمسافات قصيرة ومتوسطة في الشوارع المزدحمة وهو يعمل بشكل أساسي على الطاقة الكهربائية عبر أسلاك معلقة وبذلك فهو صديق للبيئة و اكثر امنا من بقية انواع المواصلات الاخرى واقل تكلفة فى التشغيل و الصيانة مما يجعله رخيصا وفى متناول يدالجميع ! وبذلك يكون السودان من اوائل الدول فى افريقيا و التى عرفت هذا النوع من المواصلات وكان ذلك فى بدايات لحكم البريطانى للسودان والذى كما يبدوا لم بتاخروا كثيرا فى تشييد البنية التحتية للسودان اذ ان بداية حكمهم كانت فى العام 1899م . وفى كتاب ” المواصلات فى السودان” الذى كتبه المؤرخ البريطانى والأستاذ الجامعي والباحث البريطاني المتخصص في تاريخ السودان ، ريتشارد ليزلي هِلْ Richard Leslie Hill (1901-1996) ،يتشارد هيل و قام بترجمته الاستاذ بدرالدين حامد الهاشمى جاء فيه :
“تم تشغيل أول ترام (ترماج) في مدن العاصمة الثلاث بشكل احتفالي مع رحلات مجانية للجميع في 14 مارس 1904م. وكان تراماً بخارياً بمقياس (gauge) 2 قدم ويتكون من قضبان مسطحة القاع تزن 12 كجم لكل متر موضوعة على عوارض فولاذية. وتولت بلدية الخرطوم مهمة تشغيل تلك الخدمة التي كان يبلغ طولها 3.6 كيلومتر فقط. وكانت قاطراتها (locomotives) ومعداتها المتحركة (rolling stock) بمعيار / مِقْياس 60 سنتيمتر، وقد تسبب التباين في مقياس المسار في تمايل عربات الترام الأولى بشكل كبير أثناء محاولة السير على المنحنيات. وفي وقت لاحق تم تغيير مقياس المسار إلى مقياس العجلات التي تعمل عليه. وكانت القاطرات عبارة عن محركين بقوة 30 حصاناً، وتتكون معداتها المتحركة من عشر عربات لركاب الدرجة الثالثة.
وكان الناس في البدء قد تخوفوا من تلك “البدْعَة الثورية”، ولم تزد مبيعات التذاكر في شهر أبريل 1904م عن 57 جنيها مصريا. غير أن شعبية الترام بدأت في الازدياد تدريجياً، وبحلول عام 1906م كان عدد مستخدمي الترام قد فاق المليون شخص، وبلغ صافي ربح ذلك الترام في عام 1907م 7,000 من الجنيهات المصرية. وفي تلك الفترة أُقِيمَ – عن طريق مقاولين – خط ترام في أمدرمان من الموردة (حيث ترسو العبارة البخارية “البنطون” القادمة من الخرطوم) إلى وسط المدينة، وأفتتح الحاكم العام تلك الخدمة في نوفمبر من عام 1906م. وفي العام التالي تم مد ذلك الخط إلى حي أبوروف، التي كان بها حوض لبناء المراكب، ومرسى قديم للعبارة البخارية بين ذلك الحي وحي شمبات. وكانت تُسير يوميا بين الموردة وأبوروف 12 رحلة بذلك الترام. وكانت قضبان الخط الحديدي المستخدمة في أم درمان أثقل من تلك التي تستخدم في شوارع الخرطوم، حيث بُنِيَتْ في عام 1906م ورشة لإصلاح ذلك الخط بمنطقة جنوب شرق المقرن، كانت مخصصة في وقت سابق لإقامة قاعة بلدية الخرطوم.
ونواصل

زر الذهاب إلى الأعلى