
بقلم: عبدالقادر باكاش
ليست أزمة الكهرباء في السودان أزمة نقص في الحلول، وإنما أزمة غياب الإرادة في تنفيذها. فبينما يظل مشروع محطة سيمنز الحرارية في كلانييب، جنوب بورتسودان، معلقاً بين الوعود والتأجيل، تتوالى العقود الخاصة بالسفن العائمة لتوليد الكهرباء، وكأن الدولة اختارت أن تدير الأزمة بدلاً من أن تنهيها.
المحطة الحرارية لم تكن مشروعاً عادياً، بل صُممت لتكون الحل الاستراتيجي والمستدام لأزمة الكهرباء في ولاية البحر الأحمر، ولتخفيف الاعتماد على الحلول المؤقتة مرتفعة التكلفة. لكن ما جرى على الأرض يثير سؤالاً لا يمكن القفز فوقه: لماذا تأخر المشروع سنوات طويلة، بينما لم تتأخر عقود استئجار السفن العائمة يوماً واحداً؟
عندما وصلت السفينة التركية “كارباور شيب” إلى السودان، سألت والي ولاية البحر الأحمر آنذاك، الأستاذ علي أحمد حامد، عن طبيعة التعاقد معها. كانت إجابته واضحة: الولاية ليست طرفاً في الاتفاق، والسفينة استقدمتها الشركة المنفذة لمحطة كلانييب لتغطية الاحتياج بصورة مؤقتة، على أن تغادر خلال ثلاث سنوات بعد اكتمال المحطة، التي كان يفترض أن تدخل الخدمة في عام 2020.
لكن الأعوام مضت، والمحطة لم تكتمل، والسفينة لم تغادر، بل تحولت من حل إسعافي مؤقت إلى مشروع دائم يستنزف المال العام. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن تكلفة تشغيلها تبلغ نحو خمسة ملايين دولار شهرياً، أي ما يقارب ستين مليون دولار سنوياً. وإذا صح أن هذا الوضع استمر لما يقارب عشر سنوات، فإن فاتورة السفينة التركية وحدها تصل ستمائة مليون دولار، وهو رقم يستحق أن تتوقف عنده كل أجهزة الرقابة والمراجعة، قبل الرأي العام.
والأدهى أن السودان لم يعلن انتهاء الاعتماد على السفينة الأولى، بل استقبل سفينة عائمة جديدة، لا لتحل محل سابقتها، وإنما لتضاف إليها. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت السفينة الأولى قد جاءت بديلاً مؤقتاً إلى حين اكتمال المحطة الحرارية، فما هو المبرر الفني والاقتصادي لاستقدام سفينة ثانية، بينما لا يزال المشروع الاستراتيجي نفسه متعثراً؟
الأسئلة لا تقف عند حدود الجدوى الاقتصادية، وإنما تمتد إلى طريقة التعاقد نفسها. فقد ترددت معلومات عن وجود شركات وسيطة تولت التعاقد نيابة عن ملاك السفينة الجديدة ، من بينها شركة سودانية مغمورة تدعى “نواوي”. وإذا صحت هذه المعلومات، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لا تتعاقد الحكومة مباشرة مع مالك السفينة؟ وما القيمة التي يضيفها الوسيط سوى زيادة كلفة العقد وتعقيد مسار المسؤولية؟
في مثل هذه العقود، لا تكفي البيانات الاحتفالية عن وصول السفن، بل تصبح الشفافية واجباً عاماً. فمن حق السودانيين أن يعرفوا قيمة العقد، ومدته، وسعر الكيلوواط المنتج، والجهة التي مولته، وآلية اختيار الشركة الوسيطة، وما إذا كانت هناك منافسة أو عطاءات عامة، أم أن الأمر تم عبر التفاوض المباشر.
إن إدارة قطاع الكهرباء بمنطق الحلول المؤقتة قد تكون مبررة في الظروف الطارئة، لكنها تتحول إلى سياسة مكلفة عندما تستمر سنوات طويلة. فالدولة التي تستطيع دفع عشرات الملايين من الدولارات سنوياً لاستئجار سفن عائمة، كان الأولى بها أن توفر التمويل اللازم لإكمال محطة دائمة، تحقق الاستقرار وتخفض التكلفة وتحفظ المال العام.
القضية، في جوهرها، ليست سفينة عائمة أولى أو ثانية، وإنما غياب إجابة مقنعة عن سؤال واحد: من المستفيد من بقاء السودان رهينة للحلول المؤقتة، بينما يتعثر المشروع الذي كان يفترض أن ينهي هذه الحلقة المفرغة؟
حتى تُجاب هذه الأسئلة بالأرقام والوثائق، سيظل وصول كل سفينة جديدة لا يمثل خبراً عن حل أزمة الكهرباء، بقدر ما يفتح فصلاً جديداً من الأسئلة حول إدارة المال العام، وأولويات الدولة، ومستقبل أحد أهم المشروعات الاستراتيجية في شرق السودان



