
بقلم الاستاذ جمال عبد الحميد
ارتبط لقب «اللالي»، الذي حمله نجم نادي السويس في ستينيات القرن الماضي حسن دنجل فرج، بالمقولة الشعبية الشهيرة «عند أم لالي»، وهي من العبارات المتداولة في الأحياء الشعبية المصرية، إلى جانب مقولتي «عند أم ترتر» و«عند أم يني»، والتي تُضرب جميعها مثلًا في ضياع الحقوق واستحالة استردادها، وكأن ما ذهب إلى هؤلاء النسوة قد أصبح في حكم المفقود.
وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن عبارة «عند أم لالي» ارتبطت في الأصل بالمطربة باتعة خميس، التي أسست واحدة من أشهر فرق العوالم في مصر خلال العقد الثاني من القرن العشرين، وقد ذاع صيتها بفضل أغنيتها الشهيرة «أمان يا لالي يا لالي أمان»، حتى غلب عليها لقب «أم لالي» في الأوساط الفنية.
وتروي الروايات أنها كانت تدمن تدخين «المكيفات» أثناء الحفلات حتى تفقد وعيها، الأمر الذي كان يحول دون قيام أفراد الفرقة أو العازفين بتصفية حساباتهم والحصول على مستحقاتهم المالية بعد انتهاء السهرات، ومن هنا شاع بين الناس القول «ده عند أم لالي»، في إشارة إلى أن الحق أصبح بعيد المنال.
غير أن هذه الحكاية لا تنطبق على والدة حسن دنجل فرج، التي عُرفت هي الأخرى بين أبناء حي الغريب في السويس باسم «أم لالي»، ولكن لسبب مختلف تمامًا. فقد كانت سيدة عُرفت بطيبة القلب وكرمها، وكانت تحرص بعد كل فوز يحققه نادي السويس، الذي كان ابنها أحد نجومه، على توزيع الحلوى والمأكولات على أطفال الحي. وإذا سأل أحدهم طفلًا عن مصدر ما يحمله من حلوى، جاء الرد سريعًا: «من عند أم لالي». ومن هنا ارتبط لقب اللاعب «اللالي» بهذه العبارة، ولكن في دلالة تحمل المحبة والكرم، لا ضياع الحقوق.
أما «أم ترتر»، فهي شخصية شعبية اشتهرت في منطقة كرموز بالإسكندرية، وكانت تُدعى نفوسة وقد عُرفت بين جيرانها بحدة لسانها وقسوة ألفاظها، واكتسبت لقبها من الملابس والمناديل المطرزة بالترتر اللامع، التي لم تفارقها طوال حياتها.
ووفقًا للرواية المتداولة، فقد كانت متزوجة من المعلم علوان أبو إسماعيل، الذي كان يعمل «عربجي حنطور». وكان منزل الزوجين يضم إسطبلًا للحصان، بينما اعتاد جيرانهما تربية الدجاج والإوز والبط فوق أسطح منازلهم، وكثيرًا ما كانت هذه الطيور تهبط إلى منزل «أم ترتر»، فتقوم بإخفائها وطهيها لزوجها، ثم تنكر معرفتها بالأمر.
ولأنها كانت بارعة في إخفاء آثار ما فعلته، ولم تكن تترك دليلًا يمكن أن يدينها، كان كل من يطالبها بطائره المفقود يواجه سيلًا من السباب والشتائم. ومع مرور الوقت، أصبح الناس يقولون: «ده عند أم ترتر»، أي إن استرداد الشيء أصبح مستحيلًا.
أما عبارة «عند أم يني»، فتعود إلى السيدة اليونانية ناتاليا أندريا نيكولاس، التي اشتهرت في الإسكندرية باسم «أم يني» نسبة إلى ابنها يني مانولي، المولود عام 1938. ولا علاقة لهذه القصة بلاعب الزمالك وغزل المحلة السابق يني كومانيدس سوى تشابه الاسم والجنسية.
نشأت «أم يني» في حي اللبان بالإسكندرية، وتزوجت من اليوناني قسطنطين مانولي، الذي كان يعمل بشركة الكهرباء والثلج. وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، استُدعي زوجها للمشاركة في الحرب، حيث لقي مصرعه، لتجد نفسها مسؤولة عن إعالة طفلها الوحيد.
واتجهت إلى العمل في الخياطة، حتى ذاع صيتها بين المصريين والجاليات الأجنبية باسم «أم يني الخياطة». غير أنه بعد قيام ثورة يوليو 1952، غادرت مصر مع من غادر من الأجانب بصورة مفاجئة، تاركة لدى زبائنها أقمشة وملابس لم تُسلَّم إلى أصحابها. ومنذ ذلك الحين، أصبحت عبارة «عند أم يني» تُستخدم للدلالة على ضياع الحق أو فقدان الأمل في استرداده.
وهكذا، فإن مقولات «عند أم لالي» و«عند أم ترتر» و«عند أم يني» أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية المصرية، وإن اختلفت القصص التي تقف وراء كل منها… أما في عالم كرة القدم، فقد اكتسب لقب «اللالي» معنى مختلفًا، ارتبط بالمحبة والوفاء وذكريات جماهير السويس، ليظل شاهدًا على تداخل التراث الشعبي مع تاريخ الرياضة المصرية.



