الأعمدة

انتهى الدرس يا ميسي!

محمد عبد الله برقاوي


فجأة وجدتني، الليلة الماضية، أجلس بين رواد المقهى الواقع أسفل البناية التي أسكنها في حي الهرم بقاهرة المعز، وقد التف الجميع حول الشاشة العملاقة لمتابعة المباراة النهائية.
ولم يكن خافيًا انحياز كثير من الإخوة المصريين إلى الفريق الإسباني، وكانت تعليقاتهم الساخرة وقفشاتهم الظريفة تضفي على المكان أجواءً من المرح، وهم يتفاعلون مع أداء المنتخب الإسباني الذي فرض سيطرته على مجريات اللقاء منذ صافرة البداية.
أما أنا، فقد وجدت نفسي أميل إلى تشجيع إسبانيا، ليس بدافع التعصب، وإنما إعجابًا بما قدمه لاعبوه من كرة قدم راقية، بدت وكأنها سيمفونية متقنة العزف، نفذت على إيقاع خطة رسمت بعناية. ولولا براعة حارس مرمى الأرجنتين، الذي تصدى لأكثر من فرصة محققة، لكانت النتيجة أكبر من ذلك بكثير.
وجاء هدف الحسم في الوقت الإضافي، بعد أن استنفد المنتخب الأرجنتيني كل محاولاته للعودة إلى المباراة، بينما بدا في كثير من فتراتها وكأنه يراهن على الوصول إلى ركلات الترجيح، أملاً في الاحتفاظ بلقبه أو على الأقل تجنب خسارة قاسية.
لقد كان اللقاء درسًا كرويًا ممتعًا، فرض فيه الإسبان شخصيتهم على المستطيل الأخضر، وقدموا نموذجًا لكرة القدم الحديثة التي تجمع بين المهارة والانضباط والروح الجماعية.
ولعل هذا الدرس يحمل أيضًا رسالة لكل نجم كبير، وفي مقدمتهم الأسطورة ليونيل ميسي، الذي كتب اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ كرة القدم، وأهدى بلاده أمجادًا ستظل خالدة في ذاكرة الجماهير. غير أن كرة القدم، كما الحياة، لا تعترف بالأمجاد الماضية وحدها، بل تمنح المجد دائمًا لمن يستحقه في لحظة المنافسة.
فقانون اللعبة يقول كلمته الأخيرة فوق منصة التتويج، حيث لا تدوم البطولة لأحد، ولا يحمي التاريخ صاحبه من تقلبات الزمن، فالأجيال تتعاقب، والمواقع تتبدل، ويبقى الإصرار والعمل والتجديد هي مفاتيح المجد.
مبروك لإسبانيا… وحظًا أوفر للأرجنتين، وشكرًا لكرة القدم التي لا تكف عن إمتاع عشاقها.

زر الذهاب إلى الأعلى