
عمار الباقر
حضرتُ بالأمس الجمعة الموافق 18/07/2026م ندوة بعنوان “التحديات الراهنة أمام الحركة النقابية وكيف نواجهها”، دعا إليها مركز آفاق جديدة للدراسات. وتحدثت فيها الأستاذة حجة فضل باسم جهتين هما: لجنة المعلمين السودانيين، وتنسيقية المهن والنقابات التابعة لتحالف صمود. كما دعا المركز أيضاً الباشمهندس جعفر أحمد علي متحدثاً عن الجبهة النقابية، والأستاذ عبد المنعم أبو إدريس ممثلاً لنقابة الصحفيين السودانيين.
كان غريباً أن تنفرد الأستاذة حجة بالحديث باسم جسمين نقابيين، وأن تصر على التحدث في بداية الندوة عن لجنة المعلمين، ثم تعود في نهاية الفرص المخصصة للمتحدثين للحديث عن تنسيقية المهن والنقابات، في حين كان حرياً بها أن تتناول الجسمين في مداخلة واحدة، خصوصاً وأن لجنة المعلمين التي تمثلها الاستاذة حجة هي نفسها عضو في الجبهة النقابية التي تتبني رؤية للعمل النقابي هي مغايرة تماماً لرؤية تنسيقية المهن والنقابات، ولكن تلك ميزة تتفرد بها لجنة المعلمين السودانيين وهي الجمع بين المتناقضات. لكن ومن خلال متابعتي لمجريات الندوة، اتضح لي الهدف من الندوي لم يكن بحال من أحوال إدارة حوار حول قضايا العمل النقابي أو طرح الرؤية النقابية المختلفة بقدر ما كان فرض رؤية مدير الندوة عن العمل النقابي وبصورة لا تخلو من سلطوية علي الجميع.
بدأت الأستاذة حجة بحديث جيد ومهم عن قضايا التعليم وإضراب المعلمين، وإن كانت في اجاباتها اللاحقة الأسئلة التي وُجهت إليها حول هذه القضايا ، مما يشير إلى أن الهدف من هذه الندوة لم يكن مناقشة القضايا النقابية للمعلمين.
تلا ذلك حديث للأستاذ وليد من نقابة الصحفيين، الذي تناول المشكلات التي يعاني منها الصحفيون، ولا سيما أن القسم الأكبر منهم فقدوا وظائفهم بعد الحرب. ثم جاءت مداخلة نقيب الصحفيين، الأستاذ عبد المنعم أبو إدريس، لتؤكد هذه الحقيقة وتعززها برقم مخيف، إذ ذكر أن 90% من المؤسسات الصحفية قد أُغلقت ابوابها بعد الحرب. إلا أن هذا التحدي أيضاً لم ينل حظه من النقاش.
بعد ذلك تحدث الباشمهندس جعفر أحمد علي، وركزت مداخلته على رؤية الجبهة النقابية للبناء النقابي، وفهمها للعلاقة بين العمل النقابي والشأن السياسي. ثم تفضلت الأستاذة حجة فضل بالحديث مرة أخرى، ولكن هذه المرة باسم تنسيقية المهن والنقابات التابعة لتحالف صمود، لتطرح رؤية للعمل النقابي جاءت على النقيض تماماً من رؤية الجبهة النقابية، بل تمثل مدرسة نقابية موازية لتلك التي تتبناها الجبهة.
ومرة أخرى، تم تجاهل هذا التباين بواسطة مدير الندوة، الذي بدا أنه كان يسعى إلى هدف وحيد لا علاقة له بعنوان الندوة ولا بما طرحه المتحدثون، وهو كيفية إلحاق الأجسام النقابية التي قام بدعوتها بالتحالف النقابي التابع لصمود. ويبدو ذلك أكثر وضوحاً إذا أخذنا في الاعتبار أن الرجل لديه موقف معلن داخل الحزب الشيوعي يدعو فيه إلى تذويب الحزب داخل تحالف قوى اليمين الذي يمثله اليوم تحالف صمود. وهذا موقف قديم يطل برأسه بين الفينة والأخرى داخل أروقة الحزب الشيوعي السوداني؛ فقد تبناه عوض عبد الرازق في مطلع خمسينات القرن الماضي، ثم عاد للظهور مرة أخرى مع أحمد سليمان ومعاوية سورج في بدايات سبعينيات القرن الماضي، حين سعيا ومجموعتهم إلى تذويب الحزب الشيوعي داخل سلطة مايو. وهو صراع اعتادت عليه عضوية الحزب الشيوعي السوداني علي التعامل معه بصبر وروية داخل أروقة الصراع الفكري، كما تعرف تماماً كيف تتمسك باستقلالية حزبها سواءاً كان ذلك داخل التحالفات التي ينخرط فيها الحزب أو خارجها.
المحبط حقاً في هذه الندوة أنه قد تم تجاهل عدد كبير من القضايا المهمة المتعلقة بمستقبل العمل النقابي، والتي تصب مباشرة في صالح إعادة بناء الحركة النقابية السودانية، مثل شروط العمل اللائق، وقضايا التشريد، والبناء النقابي، ورؤى الأجسام النقابية المختلفة للعمل والبناء النقابيين، وجدول الأولويات النقابية، والعلاقة بين الشأنين النقابي والسياسي. كل ذلك ضُرب به عرض الحائط من أجل تحقيق رؤية مدير الندوة، والتي وإن بدت في ظاهرها دعوة نبيلة المقصد، فإنها تظل هدفاً سياسياً بامتياز، يسعى من خلاله د. صديق الزيلعي تحقيق هدف لصالح رؤيته السياسية التي يجتهد الرجل من أجل تحقيقها، ومن خلال حمي الرغبة تلك فات فات علي الرجل أن وحدة الحركة النقابية لا تتحقق بتجاهل قضاياها اليومية على الأرض، ولا عبر أداء يشبه مكبر الصوت الذي يسعى إلى تضخيم صوت المؤيدين على حساب الخصوم. فوحدة الحركة النقابية تتحقق بالاستماع بصبر الي أصحاب الرؤي المغايرة قبل المؤيدين والتصدي للقضايا والمعارك اليومية التي تواجه قواعد الحركة النقابية على الأرض، وهي القضايا التي لم يرغب مدير الندوة في الاستماع إليها، مفضلاً الاستماع إلى صدى رغبته في فرض رؤيته على النقابيين. كما أن الحركة النقابية تتوحد حين يُدار نقاش جاد ومعبر عن هموم وأولويات قوى العمل والانتاج، بعيداً عن أوهام وتطلعات النخب.
ما خرجت به من هذه الندوة هو أنه قد تم تجاهل القضايا النقابية المهمة التي تطرق إليها المتحدثون، قرباناً لفرض رؤية مدير الندوة في حشر الحركة النقابية داخل تحالف صمود، وكأن هذا وحده كفيل بوقف الحرب، وإنجاز التحول الوطني الديمقراطي، وحلحلة كل مشكلات السودان العويصة.
#برهان_حميدتي_ستدفعون_الثمن
#صرف_مرتبات_العاملين_قضية_حياة
#لاتفاوض_لاشراكة_لاشرعية
#أوقفوا_الحرب



