الأعمدة

مستقبل الضرائب في ظل الذكاء الاصطناعي والعولمة

بقلم الأستاذ الدكتور/ حسام راضي أحمد عبد الباقي
مدرس الاقتصاد السياسي والتشريعات الضريبية
يقف النظام الضريبي الدولي اليوم على مفترق طريقٍ لم يشهد له مثيلًا منذ أن أرسى المجتمع الدولي، في مطلع القرن العشرين، الأطر التقليدية لتوزيع السلطة الضريبية بين الدول. فقد كان الفقه المالي الكلاسيكي — من غاستون جيز إلى لويس تروتابا — يُسلِّم بمبدأ إقليمية الوعاء الضريبي ارتكازًا لا يُجادَل فيه، غير أن الذكاء الاصطناعي والعولمة الرقمية باتا يُفكِّكان هذه الإقليمية من جذورها، مُنتِجَيْن فراغًا ضريبيًا لا تسدّه الأدوات التشريعية المتاحة.
أولًا: أزمة السيادة الضريبية في الفضاء الرقمي
الإشكالية الجوهرية لم تعد تقنية فحسب، بل أصبحت سيادية بامتياز؛ إذ تمارس شركات الاقتصاد الرقمي الكبرى — من منصات الذكاء الاصطناعي إلى خدمات الحوسبة السحابية — نشاطًا اقتصاديًا ضخمًا داخل دولٍ لا تملك فيها حضورًا ماديًا بالمعنى الكلاسيكي، فلا منشأة دائمة على النحو الذي تُعرِّفه المادة الخامسة من اتفاقيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ولا موظفون مقيمون، ولا أصول مادية ثابتة.
وهنا يتجلّى ما وصفه الأستاذ كلاوس فوغل، أحد أعمدة الفقه الضريبي الألماني، بـ«تآكل معيار الإقامة» بوصفه ضابطًا لتخصيص الاختصاص الضريبي الدولي.
والنتيجة الحتمية لهذا الفراغ أن الدول النامية والأسواق الناشئة — ومنها مصر — تُصدِّر ثروات معلوماتية هائلة إلى المنصات الرقمية الأجنبية، دون أن تحصل في المقابل إلا على قدرٍ يسير من الإيرادات الضريبية، في انتهاكٍ واضح لمبدأ المساهمة في الأعباء العامة وفق القدرة التكليفية، الذي كرّسه لويس الريكس بمفهوم Leistungsfähigkeitsprinzip، وأعاد صياغته بول كيرشهوف في مشروعه الفقهي الشهير.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي… وعاءٌ ضريبي أم أداة للتهرّب؟
يطرح توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات الاقتصادية تساؤلًا فقهيًا عميقًا حول طبيعة الدخل المتولد عنه:
هل يُعد عائدًا رأسماليًا ناشئًا عن استغلال أصلٍ غير ملموس؟ أم يُنظر إليه بوصفه دخل عملٍ تولّده خوارزمية بدلًا من الإنسان؟
بل إن النقاش تجاوز ذلك إلى التساؤل حول مدى إمكان اعتبار نموذج الذكاء الاصطناعي «شخصًا ضريبيًا»، استنادًا إلى فكرة «الشخصية الإلكترونية» التي بدأ البرلمان الأوروبي مناقشتها منذ عام 2017.
والأخطر من ذلك أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبحت أداة بالغة الكفاءة في هندسة التخطيط الضريبي العدواني؛ فهي قادرة على تحليل اتفاقيات الازدواج الضريبي في ثوانٍ معدودة، وبناء هياكل ملكية معقدة للأصول غير الملموسة عبر ولايات قضائية منخفضة العبء الضريبي، فضلًا عن تحويل الأرباح بأساليب تجعل تطبيق قواعد التسعير التحويلي بالغ الصعوبة.
ومن ثمّ تتجلى المفارقة القاسية؛ فالتقنية التي يُفترض أن تُعزّز الامتثال الضريبي أصبحت، في بعض الأحيان، وسيلة فعّالة للالتفاف عليه.
ثالثًا: الاستجابة الدولية بين الكفاية والقصور
سعى مشروع مكافحة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح (BEPS)، من خلال ركيزتيه ضمن الإطار الشامل للتعاون الدولي، إلى معالجة هذا الفراغ؛ إذ تستهدف الركيزة الأولى تخصيص جزءٍ من أرباح الشركات الرقمية الكبرى لدول السوق وفق معيار «الحضور الاقتصادي الكافي» بدلًا من الحضور المادي التقليدي، بينما أرست الركيزة الثانية حدًا أدنى عالميًا لمعدل الضريبة الفعلية على الشركات متعددة الجنسيات بنسبة 15%.
وعلى الرغم مما تمثله هاتان الركيزتان من قفزة نوعية في الحوكمة الضريبية الدولية، يظل التساؤل قائمًا:
هل تعيدان توزيع العائد الضريبي بصورة عادلة لصالح دول الجنوب، أم أنهما تُكرِّسان الهيمنة الضريبية للدول المتقدمة في ثوبٍ جديد؟
الإجابة الموضوعية تبدو مقلقة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الدول النامية تخسر سنويًا ما بين مئة وثلاثمئة مليار دولار نتيجة تآكل الوعاء الضريبي، وهو رقم يفوق — في بعض الأحيان — ما تتلقاه هذه الدول من مساعدات إنمائية رسمية.
والمفارقة أن قواعد اللعبة التفاوضية تُصاغ أساسًا داخل منتدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، الذي تهيمن عليه دول المنشأ للشركات العملاقة، لا دول الاستهلاك والأسواق الناشئة.
رابعًا: نحو فقهٍ ضريبي للعصر الرقمي
إن ما يحتاجه النظام الضريبي الدولي اليوم لا يقتصر على تعديلات تشريعية جزئية، بل يتطلب إعادة تأسيس فكرية شاملة لمفاهيم الوعاء الضريبي والربط والإقليمية. ويمكن بلورة ذلك عبر ثلاثة محاور رئيسية:
1- إعادة تعريف معيار الصلة الضريبية (Nexus)
بحيث يشمل الحضور الاقتصادي الرقمي، لا الحضور المادي وحده، بوصفه معيارًا لتوزيع حق الفرض الضريبي. وقد أخذت بعض التشريعات الداخلية بهذا الاتجاه، كالضريبة الرقمية الفرنسية، قبل تعليق تطبيقها انتظارًا للتوافق الدولي.
2- بناء قواعد حديثة للتسعير التحويلي
وذلك من خلال الاعتراف بالبيانات باعتبارها أصلًا اقتصاديًا ذا قيمة قابلة للتقييم، وهو ما تقتضيه نظرية تيبكه في الحياد الضريبي، التي تقوم على عدم التمييز بين الأصل الرقمي ونظيره المادي من حيث المعاملة الضريبية.
3- إشراك الدول النامية في صياغة المعايير الدولية
بحيث لا تقتصر مشاركة هذه الدول على تطبيق القواعد، بل تمتد إلى المساهمة في صناعتها وصياغتها. وهو ما تسعى إليه مبادرة الأمم المتحدة لإطارٍ ضريبي عالمي شامل، رغم ما تواجهه من مقاومة سياسية قوية من القوى الاقتصادية الكبرى.
خاتمة
إن مستقبل الضرائب في عصر الذكاء الاصطناعي والعولمة لم يعد قضية مالية بحتة، بل أصبح معركة تتداخل فيها اعتبارات السيادة والعدالة والتنمية والتوازن الدولي. فإما أن ينجح المجتمع الدولي في بناء نظام ضريبي أكثر عدالة ومرونة يواكب الاقتصاد الرقمي، وإما أن تتسع الفجوة بين الدول المنتجة للتكنولوجيا والدول المستهلكة لها، بما يهدد فكرة العدالة الضريبية ذاتها، ويُعيد تشكيل موازين القوة الاقتصادية عالميًا.

زر الذهاب إلى الأعلى