
بقلم: الدكتور حسن عبدالرحيم أبوعجاج
أستاذ الإدارة والتخطيط الاستراتيجي
يخوض السودان اليوم معركتين متزامنتين؛ الأولى في ميادين القتال ضد المليشيات المسلحة والثانية داخل مؤسسات الدولة ضد الفساد الإداري والمالي.
وإذا كانت المعركة الأولى تهدف إلى استعادة الأمن فإن الثانية تهدف إلى استعادة الدولة نفسها.
فالانتصار العسكري مهما كانت أهميته لن يحقق الاستقرار ما لم يُرافقه انتصار حقيقي على الفساد وترسيخ لمبادئ الشفافية والحوكمة وسيادة القانون.
لقد تحمل المواطن السوداني أعباء الحرب بكل قسوتها؛ فقد الأمن وتدهورت الخدمات، وارتفعت الأسعار بصورة غير مسبوقة وأصبح الحصول على الكهرباء والمياه والعلاج والتعليم تحدياً يومياً.
ورغم هذه التضحيات لا يزال المواطن ينتظر دولةً تدير موارده بعدالة وتحاسب المقصرين وتحمي المال العام من العبث والهدر.
إن حكومة الأمل وحكومة ولاية الخرطوم ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس السيادة أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز إدارة المرحلة إلى بناء دولة المؤسسات.
وهذه المهمة لن تتحقق بالتصريحات وحدها وإنما بإجراءات عملية تقوم على الشفافية وتعزيز الرقابة وتطبيق القانون على كل من يثبت تورطه في تجاوزات أو فساد دون تمييز أو استثناء مع احترام الإجراءات القانونية وضمانات العدالة.
إن أخطر ما يهدد الدول بعد الحروب ليس الدمار الذي تُحدثه الأسلحة بل الفساد الذي يلتهم موارد إعادة الإعمار ويقوض ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
فكل مشروع يتعطل بسبب سوء الإدارة وكل خدمة تغيب عن المواطنين وكل مال عام يُهدر ينعكس مباشرة على حياة الناس ويؤخر تعافي الوطن.
الفساد لا يسرق الأموال فحسب بل يسرق فرص التنمية ويزيد معدلات الفقر والبطالة ويطرد الاستثمارات ويضعف الاقتصاد ويهدم ثقة المواطن في مؤسسات بلاده.
لذلك فإن السكوت عن الفساد أو التأخر في مكافحته أو غياب المساءلة يمثل خطراً لا يقل عن أي تهديد أمني.
إن الحوكمة الرشيدة ليست مفهوماً نظرياً بل هي أساس بناء الدول الحديثة وتعني إدارة الموارد بكفاءة واتخاذ القرارات بشفافية وخضوع الجميع للمساءلة وربط السلطة بالمسؤولية وإعلاء سيادة القانون.
وتجارب الدول التي نهضت بعد الحروب أثبتت أن إعادة الإعمار تبدأ بإصلاح مؤسسات الدولة قبل تشييد المباني والطرق.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كل سوداني اليوم: إلى متى يستمر الفساد؟ وإلى أين يسير السودان إذا لم تُفتح ملفات الإصلاح الحقيقي؟ وهل سنكتفي بالاحتفال بالانتصارات العسكرية بينما تستمر معاناة المواطن مع الغلاء وضعف الخدمات وتراجع الأداء الحكومي؟
إن التاريخ لا يخلد من انتصر في الحرب فقط بل يخلد أيضاً من أسس لدولة عادلة قوية شفافة يحكمها القانون وتحمي حقوق مواطنيها.
ولذلك فإن الانتصار الحقيقي الذي ينتظره السودانيون ليس فقط دحر المليشيات وإنما بناء دولة تُدار بالكفاءة والنزاهة ويُصان فيها المال العام ويُحاسب فيها كل من يثبت تجاوزه للقانون وفق العدالة والإجراءات القانونية.
فالسودان لن ينهض بالسلاح وحده وإنما سينهض عندما تصبح مكافحة الفساد مشروعاً وطنياً لا يقل أهمية عن حماية الحدود وعندما يشعر المواطن بأن العدالة تُطبق على الجميع وأن الدولة تعمل من أجل الوطن لا من أجل المصالح الضيقة.
عندها فقط يمكن أن نقول إن السودان بدأ طريقه الحقيقي نحو الاستقرار والتنمية والنهضة.



