الأعمدة

اقتصاد الظلّ حين تعود الحركة الإسلامية بوجوه “المستثمرين”

فخرالدين فضل
ما يجري اليوم في الخرطوم لا يمكن فهمه بمنطق “السوق الحر” ولا بـ“شجاعة المستثمرين” كما يُروَّج، بل يجب قراءته ضمن سياقه السياسي والأمني والتاريخي. فالحديث عن موجات وافدين أجانب يدخلون العاصمة المنكوبة بعقل التاجر لا يصمد أمام سؤال بسيط، من فتح لهم الأبواب؟ ومن وفّر لهم الحماية؟ ومن يملك القدرة، في قلب حرب مشتعلة، على ترتيب الحركة، وتأمين المواقع، وتسهيل المال؟
الإجابة ليست غامضة. إنها الحركة الإسلامية الإرهابية، بأذرعها العسكرية والاستخباراتية، التي عادت لتُعيد إنتاج نفسها بالطريقة ذاتها التي أتقنتها في تسعينيات القرن الماضي.
في ذلك العقد الأسود، لم يكن السودان “ملاذًا إنسانيًا” ولا “ساحة دعوية” كما زعمت السلطة آنذاك، بل كان مركزًا دوليًا لتجميع المتطرفين والإرهابيين، وغرفة عمليات مفتوحة لكل من لفظتهم أوطانهم. تحت لافتة ما سُمّي زورًا بـ“المؤتمر الشعبي الإسلامي”، استقبل نظام الحركة الإسلامية الإرهابية حينها مقاتلين، ومتطرفين، وتجار حروب، ووفّر لهم الإقامة، والوثائق، والمال، مقابل خدمة واحدة وهى حماية النظام وقمع الشعب السوداني.
اليوم يتكرر المشهد، لكن بديكور مختلف.
لا لِحى طويلة ولا شعارات دينية صاخبة، بل مطاعم وورش ومحلات.
لا يُرفع السلاح علنًا، بل تُدار شبكات المال. إنها المرحلة التالية من المشروع ذاته، مشروع غسل أموال الحرب وإعادة تموضع المقاتلين داخل الاقتصاد.
الخرطوم، في هذا السياق، لا تُدار كسوق مفتوحة للجميع، بل كمنطقة نفوذ. “المستثمر” الذي يعمل بثقة وسط الدمار لا يفعل ذلك لأنه جريء، بل لأنه محمي. لا يغامر برأس ماله، لأنه ليس ماله أصلًا، بل أموال حرب، وأموال تهريب، وأموال دم، تبحث عن واجهة مدنية نظيفة.
أما الرواية التي تُحمِّل السودانيين ذنب “الانتظار” وتُصوِّرهم ككسالى فوتوا الفرصة، فهي رواية قاسية لكنها زائفة. كيف يُطالَب الضحية بالمبادرة بينما القاتل هو من يملك السلاح والقرار؟ كيف يُلام المواطن الذي شُرِّد وقُصفت مدينته، بينما تُفتح الأبواب لآخرين جاؤوا عبر قنوات السلطة العسكرية ذاتها التي دمّرت البلد؟
ما يحدث ليس “اقتصاد ما بعد الحرب”، لأن الحرب لم تنتهِ.
وما يتشكل ليس سوقًا تنافسية، بل اقتصاد احتلال داخلي، تُعاد فيه صياغة موازين القوة لصالح شبكة واحدة وهى شبكة الحركة الإسلامية الإرهابية، التي خسرت السلطة المباشرة، لكنها تسعى الآن للسيطرة على ما هو أخطر (الاقتصاد).
الخطورة هنا ليست في وجود أجانب، بل في انتقائهم. ليس كل وافد مستثمرًا، وليس كل متجر مشروعًا بريئًا. كثيرون هم امتداد عضوي لتجربة التسعينيات البشعة، مقاتلون سابقون بواجهات جديدة، شبكات تمويل أعيد تدويرها، وأجهزة استخبارات تعرف جيدًا كيف تُخفي السلاح خلف الكاشير.
الرسالة الحقيقية التي يجب أن تُقال بلا تجميل من يسيطر اليوم على الخرطوم اقتصاديًا، يشتري نفوذ الغد السياسي.
ومن يسمح بإعادة إنتاج اقتصاد الحركة الإسلامية الإرهابية، يسمح بعودة استبدادها، ولو بعد حين.
القضية ليست شجاعة ولا خوفًا، ولا انتظارًا ولا مبادرة.
القضية هي من يملك مفاتيح السوق؟
وطالما ظلت هذه المفاتيح في يد المليشيات والحركة الإسلامية الإرهابية، فإن كل حديث عن “فرص” و“إعادة بناء” ليس إلا ستارًا كثيفًا لمرحلة جديدة من نهب السودان بأدوات أنعم، لكن بالجوهر ذاته.

زر الذهاب إلى الأعلى