
(موطئ قلم)

محمد عبد الله برقاوي
في مثل هذا اليوم من شهر يوليو عام 1971، وبينما كانت طائرة الخطوط الجوية البريطانية تقل المقدم بابكر النور سوار الذهب، رئيس مجلس قيادة انقلاب الرائد هاشم العطا، وبرفقته عضوا المجلس الرائد فاروق عثمان حمد الله والرائد محمد محجوب عثمان، شقيق سكرتير الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب، قادمين من لندن في طريقهم إلى الخرطوم للانضمام إلى زملائهم، فوجئت الطائرة بطائرتين عسكريتين تجبرانها على الهبوط في أحد المطارات الليبية أثناء عبورها الأجواء الليبية.
وعقب هبوط الطائرة، قامت مجموعة من عناصر المخابرات الليبية بإنزال المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمد الله، بينما لم تتعرف على الرائد محمد محجوب، فعاد مع الطائرة نفسها إلى بريطانيا بعد أن تلقى طاقمها أوامر من إدارة الشركة بالعودة إلى لندن وعدم مواصلة الرحلة إلى الخرطوم لدواعٍ أمنية.
وكانت نتيجة تلك الواقعة، التي وُصفت على نطاق واسع بأنها عملية قرصنة لطائرة مدنية، أنها أصبحت أحد العوامل التي أسهمت في فشل انقلاب هاشم العطا في يومه الثالث، بعد أن تمكنت القوات الموالية للرئيس جعفر نميري من استعادة السلطة وإعادة الرئيس وأعضاء مجلس قيادته إلى الحكم. وأعقب ذلك محاكمات ميدانية عاجلة انتهت بإعدام عدد من قادة الانقلاب العسكريين وبعض المدنيين، ومن بينهم المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمد الله، بعد أن سلمتهما السلطات الليبية إلى الخرطوم.
غير أن الخدمة التي قدمها العقيد معمر القذافي لصديقه جعفر نميري لم تُطل عمر العلاقة بينهما، إذ سرعان ما تحولت إلى عداوة معلنة. فقد احتضن القذافي المعارضة السودانية الساعية إلى إسقاط نظام نميري، وقدم لها الدعم المالي والعسكري، وأقام معسكرات التدريب، وصولًا إلى المحاولة العسكرية الفاشلة عام 1976، التي وصلت قواتها إلى قلب الخرطوم، قبل أن يتمكن نميري من إجهاضها في أحداث دامية عُرفت رسميًا باسم “غزوة المرتزقة”.
ولم يتوقف الخلاف عند ذلك، بل امتد إلى دعم القذافي للمتمردين في جنوب السودان عبر دول أفريقية مجاورة، بعد انهيار اتفاقية أديس أبابا، كما شهدت تلك المرحلة محاولات تصعيد أخرى، من بينها محاولة قصف مبنى الإذاعة في أم درمان، لكنها أخطأت هدفها.
وفي ذروة التوتر بين البلدين، طالب القذافي الحكومة السودانية بسداد قرض سبق أن قدمته ليبيا، الأمر الذي دفع نميري إلى إطلاق حملة “جنيه الكرامة”، فتبرع السودانيون من أموالهم للمساهمة في سداد ذلك الدين.
ويبقى السؤال: هل كان هذا التحول الحاد في موقف القذافي من نميري تعبيرًا عن ندمه على دوره في حادثة اعتراض الطائرة وما ترتب عليها من إعدام بابكر النور ورفاقه؟ أم أنه كان مجرد انعكاس لتبدل التحالفات والمصالح السياسية، وهي سمة لازمت علاقات كثير من الأنظمة في تلك الحقبة؟
الإجابة القطعية تظل عسيرة، إذ لا تُعرف للقذافي تصريحات صريحة تعترف بالندم على تلك الواقعة. لكن المؤكد أن ذلك الاعتراض شكّل خرقًا خطيرًا للأعراف والقوانين الدولية الخاصة بالطيران المدني، وأسهم في سلسلة من الأحداث الدامية التي دفع ثمنها رجال، عسكريون ومدنيون، كما دفع الوطن كله ثمنًا باهظًا.
ولعل المأساة الأكبر أن مسلسل الانقلابات العسكرية، الذي لازم السودان منذ الاستقلال، لم يورث البلاد سوى مزيد من الدماء والانقسامات، حيث ظل العسكريون يتنازعون السلطة بالقوة، ويقتتلون فيما بينهم، بينما تُستنزف مقدرات الوطن وتتراجع فرص التنمية والاستقرار والسلام. ولو تُرك الاحتكام منذ البداية لإرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة، لكان السودان، ومعه كثير من دول المنطقة، قد تجنب جانبًا كبيرًا من الكوارث التي عطلت مسيرة تقدمه لعقود طويلة .



