الأعمدة

“جماهير غاضبة تهتف.. وصورة تُهنّئ من وراء المحيط: انتخابات الكاملين تحت المجهر”

كتب: معاوية أبوالريش
في مشهد يتكرر كثيرًا في أروقة الاتحادات الرياضية المحلية بالسودان، خرج اسم “الكاملين” هذا الأسبوع من دائرة الحديث الكروي الضيق إلى واجهة الجدل العام، بعدما أعلنت النتائج فوز الأستاذ سيف الدين الطيب برئاسة اتحاد الكرة المحلي بالمدينة. الإعلان الذي كان يُفترض أن يمر مرور الكرام، تحوّل خلال ساعات إلى مادة دسمة لمقاطع الفيديو المتداولة، وحديث الشارع الرياضي، وربما – إن صحّت بعض الروايات – إلى أزمة ثقة جديدة تُضاف إلى سجل طويل من أزمات الكرة السودانية مع صناديق الاقتراع.
ما الذي جرى، بحسب المتداول؟
تناقلت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لجمهور غاضب يُحاصر سيارة كانت تقلّ الفائز الجديد القديم داخل المدينة، وسط هتافات رافضة تلخصت في عبارات من قبيل “لا فساد بعد اليوم” و”ما عاوزينك” يصف ناشطون هذا المشهد بأنه تعبير عفوي عن رفض شعبي لنتيجة يرون أنها جاءت عبر إجراءات مشكوك في نزاهتها، بعد إقصاء منافسين واستمرار الفوز بالتزكية.
في المقابل، تداول آخرون مقطعًا مختلفًا تمامًا: عدد محدود من المؤيدين يحتفلون بالفوز، رافعين إصبع السبابة، وسط تهليل وتكبير. وقد ظهر في أحد هذه المقاطع – بحسب ما راج – اتصال أو تسجيل منسوب لرئيس الاتحاد العام السوداني لكرة القدم د. معتصم جعفر، يُظهره وهو يهنئ الفائز من مقر إقامته بمدينة نيوجيرسي الأمريكية، حيث يتواجد لمتابعة نهائيات كأس العالم.
هذا التناقض الحاد بين المشهدين – جمهور يحاصر ويهتف ضد، وآخر يحتفل ويهلل مع – هو جوهر ما يستحق التوقف عنده: روايتان متعاكستان تمامًا عن اللحظة نفسها، ولا جهة محايدة حتى الآن أكدت أيًا منهما بشكل قاطع.
اتهامات لم تُختبر بعد
يذهب بعض المعلقين إلى وصف ما جرى بأنه “فساد مؤسسي” و”تلاعب باللوائح”، ويستحضرون في المقارنة ممارسات كانت سائدة في حقبة سياسية سابقة. هذه اتهامات خطيرة بطبيعتها، وتستحق التعامل معها بجدية – لكنها تبقى، حتى كتابة هذه السطور، ادعاءات لم تصدر بشأنها نتائج تحقيق رسمي أو حكم من جهة قضائية أو رياضية مختصة. لا بيان رسمي من اتحاد الكاملين، ولا من الاتحاد العام لكرة القدم، تناول هذه الاتهامات بالرد أو التوضيح حتى الآن.
لماذا يهم هذا الفرق؟
الكرة السودانية، كغيرها من مؤسسات العمل العام، لن يُصلح حالها اتهام يُطلَق في الهواء أو حكم يصدر من داخل مقطع فيديو منقول عبر واتساب. إن كانت هناك مخالفات فعلية في اللوائح أو في إجراءات الترشيح، فالمسار الصحيح هو الطعن الرسمي أمام الجهات المختصة داخل الهرم الرياضي – كما حدث في سوابق مشابهة شهدتها انتخابات الاتحاد العام نفسه في سنوات سابقة. وإن كانت الجماهير التي ظهرت في الفيديو معبّرة عن غضب مشروع، فإن توثيق هذا الغضب ونقله بأمانة، دون تضخيم أو تسييس، هو ما يمنحه مصداقية تستحق أن تُسمع.
ما نعرفه بثقة: أن الرجل فاز، وأن هناك من رفض الفوز علنًا وبصوت مرتفع، وأن هناك من احتفل به. أما ما لا نعرفه بعد: هل كانت هناك مخالفة فعلية في الإجراءات؟ من الذي أقصي وكيف ولماذا؟ وهل التهنئة من الخارج تعني تواطؤًا أم أنها مجرد بروتوكول رياضي معتاد؟ الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى تحقيق وتوثيق، لا إلى حكم مسبق – وحتى ذلك الحين، يبقى الأنصف أن توصف هذه الوقائع بما هي عليه: جدل مفتوح، لا فضيحة مؤكدة.

زر الذهاب إلى الأعلى