الأعمدة

كيف تحول لمّة اجتماعية إلى منتدى ثقافي في ثلاث خطوات؟

بقلم إيهاب الأمين
يُقال إن اللغة كائن حي يتطور بتطور البشر، والمفاهيم تتسع لتشمل كل ما يستجد في حياتنا. وبناءً على ما نراه على أرض الواقع في ساحاتنا الثقافية، نرفع قبعة الاحترام للأكاديميين ونعلن رسمياً أنه قد عجزت المجامع اللغوية ودور التعريف عن مواكبة العبقرية المحلية في إعادة اختراع مصطلح المنتدى الثقافي.
فإذا كنت تظن أن المنتدى الثقافي هو مكان تُطرح فيه الأسئلة الحرجة، وتُناقش فيه قضايا الفن والوعي، وتُقرأ فيه نصوصٌ تُحرك الوجدان الجمعي، فأنت ببساطة تعيش في عصر ظلامي مضى. لقد تطلب الأمر منا نحن أبناء هذا الزمان أن نعيد صياغة التعريف، لنصبح أكثر دقة وواقعية.
المنتدى الثقافي حديثاً هو تجمع اجتماعي مغلق، يُمنع فيه الحديث في القضايا الجوهرية حفاظاً على تطييب الخواطر، ويُشترط فيه توفر ميكروفون ليطلق من خلاله شخص يفتقد لأبسط مقومات الموهبة الصوتية، العنان لصوته الضعيف، بينما يجلس الحضور في حالة من الإنكار الجماعي وهم يصفقون لإبداع لا يسمعه إلا هو ومكبرات الصوت.
ولتسهيل الأمر على الراغبين في دخول عالم النخبة الثقافية الجديدة، نقدم لكم الوصفة السحرية لتحويل أي لمّة عادية إلى منتدى ثقافي مزدهر.
الخطوة الأولى: استبدال الفكر بـالكاريزما الاجتماعية
إذ لا داعي لإرهاق نفسك بالبحث عن مفكرين أو مبدعين لديهم إجابات منطقية لدور الثقافة في قيادة المجتمع. يكفي أن تجمع مجموعة من الشخصيات التي تجيد فن المجاملات وتبادل الإطراء، فالنقاش العميق اليوم لم يعد يدور حول كيف نرتقي بالذائقة السمعية؟، بل يدور حول من يملك أرقى أنواع العطور؟ ومن هو الأكثر كرماً في توزيع عبارات المديح على بعضنا البعض؟.
الخطوة الثانية: ترسيخ السطحية كثقافة بديلة إذ أن
الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب الثقافة، بل في استسهال التعاطي مع الفنون، لذا يجب أن نؤمن إيماناً راسخاً أن أي صوت يرتجف على أنغام أغنية قديمة، يُعتبر إضافة نوعية للمشهد الثقافي. نحن لا نحارب النجومية، فكل إنسان له الحق في مطاردة بريق الشهرة، حتى لو كانت هذه الشهرة مصنوعة من بقايا مجاملات الحاضرين وتبرعات اللايكات الوهمية.
الخطوة الثالثة: الحنين إلى الماضي (كديكور فقط)
من الجميل أن نتذكر في بداية كل أمسية المنتديات الحقيقية التي كانت تصنع المفكرين وتفتح آفاق النقاش الهادف. ولكننا نذكرها فقط كـمقدمة أدبية نرددها لنشعر بأننا على الطريق الصحيح، قبل أن نعود فوراً إلى الجدول الفعلي للبرنامج، والذي يتكون بالأساس من شاي، وقهوة، وأغانٍ تفتقد للإبداع، وابتسامات عريضة لا تخفي الفراغ الفكري الذي يملأ القاعة.
نحن لا نمانع أن يستمتع البعض بـاللمّات الاجتماعية، ولا نحسد القائمين على الأمر على براعتهم في خلط الأوراق وتزييف الوعي باسم الثقافة. ولكن، من حق الشعب السوداني، ومن حق كل ذائقة فنية سليمة، أن تقف وقفة حازمة وتطرح سؤالاً بريئاً، نرجو ألا يُعتبر استفزازياً أو خارجاً عن بروتوكول المجاملات:
هل ما نشاهده اليوم من تجمعات تُعزف فيها ألحانٌ تفتقد لأبسط مقومات الإبداع، وتُدار فيها نقاشاتٌ تتهرب من عصب القضايا الحقيقية، يُعتبر حقاً منتديات ثقافية؟
أم أننا بحاجة إلى اختراع مصطلح جديد في القاموس، مثل: الملتقى الاجتماعي للترفيه عن النفس، وتضييع الوقت، وصناعة النجوم بالجملة؟
التعريف لكم.. لكن الضمير الثقافي لنا.

زر الذهاب إلى الأعلى