هل أخطأنا في التكييف الشرعي لحرب السودان؟ هل هي من باب دفع الصائل… أم من باب الفتنة بين المسلمين

📚 دراسة فقهية في تحقيق المناط قبل تنزيل الأحكام
✍️ محمد الفاتح حضرة
✨ مقدمة
حين تشتعل الحروب، لا يصبح الخطر في الرصاص وحده…
بل قد يكون الخطر الأكبر في الكلمة.
وفي الفتوى.
وفي النص الشرعي حين يُنزَّل على غير موضعه.
فكم من دماءٍ أُريقت لأن أحدهم استدل بآيةٍ في غير محلها، أو بحديثٍ في غير بابه، أو بحكمٍ فقهي لم تتحقق شروطه.
ولهذا كان السلف يخافون الفتوى في الدماء أكثر مما يخافون الفتوى في الأموال.
لأن المال إذا ضاع أمكن تعويضه…
أما الدم إذا أريق ظلمًا، فلا سبيل إلى إعادته.
ولذلك شدد الإسلام في أمر الدماء تشديدًا لم يشدد به في غيرها، حتى قال رسول الله ﷺ:
«لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم.»
وقال ﷺ:
«إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار.»
وليس معنى ذلك أن الإسلام ألغى القتال مطلقًا…
فقد شرع الجهاد.
وشرع دفع الصائل.
وشرع قتال البغاة.
وشرع الدفاع عن النفس، والعرض، والمال.
ولكنه جعل لكل صورةٍ حكمها.
ولكل واقعةٍ وصفها.
ولكل بابٍ ضوابطه وشروطه.
فليست كل حربٍ جهادًا.
وليست كل معركةٍ دفع صائل.
وليست كل طائفةٍ باغية.
ومن هنا كانت العناية بتوصيف الوقائع قبل إصدار الأحكام من أعظم ما امتاز به الفقه الإسلامي، لأن الخطأ في التكييف يؤدي بالضرورة إلى الخطأ في الحكم.
🛑 أولًا: قبل إصدار الحكم… لا بد من توصيف الواقعة
قرر الفقهاء قاعدةً عظيمة، وهي:
“الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره.”
أي أن الفقيه لا يبدأ بالحكم…
بل يبدأ أولًا بفهم حقيقة الواقعة.
ثم يبحث بعد ذلك عن النص الذي ينطبق عليها.
لا أن يبحث عن نصٍّ يعجبه، ثم يُسقطه على الواقع دون تحقق.
ومن هنا جاء علمٌ من أدق علوم الشريعة، وهو ما يسميه الأصوليون تحقيق المناط.
ومعناه:
التأكد من أن الوصف الذي علَّق الشارع عليه الحكم موجودٌ فعلًا في الواقعة، قبل تنزيل الحكم عليها.
فقد يكون الحكم صحيحًا في ذاته…
ولكن الواقعة ليست هي الواقعة التي تكلم عنها النص.
وقد يكون الدليل ثابتًا…
ولكن الخطأ وقع في تنزيله على غير محله.
ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
“ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: فهم الواقع، وفهم الواجب في الواقع.”
وهذه العبارة المختصرة تكاد تختصر أزمة كثير من الخطابات الدينية في زماننا.
فإن بعض الناس يحفظ النصوص…
لكنه لا يفقه الواقع.
وبعضهم يقرأ الواقع…
لكنه لا يجمع النصوص.
أما الفقيه الحق…
فيفهم النص…
ويفهم الواقع…
ثم ينزل النص على الواقع بعدلٍ وبصيرة.
🛑 لماذا نكتب هذا المقال؟
لأن سؤالًا أصبح يتردد كثيرًا منذ اندلاع حرب السودان:
هل هذه الحرب تُعد شرعًا من باب دفع الصائل؟
وهل يجوز أن ننزل عليها مباشرة أحكام دفع الصائل التي تكلم عنها الفقهاء؟
أم أن الأمر أعقد من ذلك؟
وهل يكفي أن نرفع شعارًا فقهيًا واحدًا، ثم نغلق باب النظر في بقية النصوص والأحكام؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا…
وليست جدلًا أكاديميًا…
بل تتعلق بأعظم شيء بعد التوحيد…
دماء المسلمين.
ولهذا لا يجوز أن يكون الجواب عنها مبنيًا على الحماسة…
أو الانتماء السياسي…
أو التعبئة الإعلامية…
بل يجب أن يكون مبنيًا على القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، ومنهج أئمة الإسلام في فهم النصوص، وتنزيلها على الوقائع.
🛑 لماذا كثرت الأخطاء في توصيف حرب السودان؟
ولعل من المؤسف أن كثيرًا من النقاشات الدائرة اليوم تبدأ من الحكم…
ولا تبدأ من الوصف.
فيقال:
هذه حرب دفع صائل…
أو يقال:
هذه حرب بغاة…
قبل أن يسأل أحد:
هل الوصف صحيح أصلًا؟
وهذا قلبٌ لمنهج الاستدلال.
فالفقهاء لا يبدأون بالحكم…
بل يبدأون بتوصيف الواقعة.
فإن صح الوصف…
صح تنزيل الحكم.
وإن فسد الوصف…
فسد الحكم، ولو كان الدليل نفسه صحيحًا.
ولهذا فإن أول ما ينبغي أن نفعله، قبل أن نتكلم عن حرب السودان، هو أن نفهم معنى المصطلحات الشرعية نفسها.
🛑 قبل أن نحكم على حرب السودان…
لا بد أن نجيب عن أربعة أسئلة:
ما هو دفع الصائل؟
ومن هم البغاة؟
وما المقصود بالفتنة بين المسلمين؟
ثم… هل تنطبق هذه الأوصاف فعلًا على حرب السودان؟
فإذا أخطأنا في توصيف الواقعة…
أخطأنا في الحكم عليها.
أما إذا بدأنا من الوصف الصحيح…
اقتربنا من الحكم الصحيح.
وهذا هو منهج العلماء…
وهذا ما سنسير عليه في هذا المقال، مستعينين بالله، ثم بكتابه، وسنة نبيه ﷺ، وفهم أئمة الإسلام.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
🛑 ثانيًا: ما الفرق بين دفع الصائل، وقتال البغاة، والفتنة بين المسلمين؟
قبل أن ننزِّل أي حكم شرعي على حرب السودان، لا بد أن نجيب عن سؤالٍ جوهري:
عن أي بابٍ فقهي نتحدث أصلًا؟
فالفقه الإسلامي لم يجعل كل أنواع القتال بابًا واحدًا.
ولم يجعل كل من حمل السلاح يُعطى الحكم نفسه.
بل فرَّق بين دفع الصائل، وقتال البغاة، والفتنة بين المسلمين، وجعل لكل واحدٍ منها تعريفًا، وشروطًا، وأحكامًا، ومقاصد تختلف عن الآخر.
ولهذا فإن الخلط بين هذه الأبواب ليس مجرد خطأٍ علمي…
بل قد يترتب عليه استباحة دماء، أو تبرير حرب، أو تعطيل أحكام شرعية أخرى لا تقل أهمية عن النص الذي يُستدل به.
🛑 أولًا: ما هو دفع الصائل؟
الصائل في اصطلاح الفقهاء هو:
المعتدي الذي يهجم بغير حق على نفس الإنسان، أو عرضه، أو ماله، ويكون اعتداؤه حالًّا ومباشرًا، بحيث لا يمكن دفعه إلا بالمقاومة.
ولهذا أجمع العلماء على مشروعية دفع الصائل؛ لأن المقصود منه رد العدوان…
لا الانتقام.
ولا توسيع دائرة القتال.
ولا تحويل الدفاع المشروع إلى حربٍ مفتوحة.
ولذلك وضع الفقهاء لهذا الباب ضوابط دقيقة، منها:
🔹 أن يكون الاعتداء واقعًا فعلًا.
🔹 وأن يقتصر الدفع على القدر اللازم لرد العدوان.
🔹 وأن ينتهي القتال بانتهاء الاعتداء.
🔹 وألا يتحول دفع الصائل إلى عدوان جديد.
إذن…
فباب دفع الصائل شُرع لحماية النفس والعرض والمال عند وقوع اعتداءٍ مباشر.
ولم يُوضع أصلًا لتنظيم الحروب الطويلة بين الجيوش، أو النزاعات العسكرية والسياسية المعقدة.
🛑 ثانيًا: ما هو قتال البغاة؟
أما البغاة، فهم -في اصطلاح جمهور الفقهاء-:
طائفة من المسلمين لها شوكة ومنعة، خرجت على الإمام الشرعي بتأويل أو شبهة.
ومع ذلك…
فإن القرآن لم يبدأ بقتالهم.
بل بدأ بالإصلاح.
قال تعالى:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾.
تأملوا ترتيب الآية…
لم يبدأ الله بقوله:
فقاتلوا…
بل بدأ بقوله:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
ثم كرر الأمر بالإصلاح بعد انتهاء القتال.
وكأن القرآن يريد أن يقرر قاعدة عظيمة:
الأصل هو الإصلاح… والقتال استثناء.
ولا يُصار إلى هذا الاستثناء إلا بعد تعذر الإصلاح، وثبوت البغي، وتحقق شروطه وضوابطه الشرعية.
🛑 ثالثًا: ما المقصود بالفتنة بين المسلمين؟
وقد تقع أحوال لا تنطبق عليها صورة دفع الصائل.
ولا يسهل الجزم بأنها من باب قتال البغاة بالمعنى الفقهي الدقيق.
بل تكون حربًا واسعة…
يختلط فيها الحق بالباطل.
وتتشابك فيها المسؤوليات.
وتتعدد أطراف الصراع.
وتتداخل المصالح السياسية والعسكرية والإقليمية.
ويعجز عامة الناس عن الإحاطة بجميع تفاصيلها.
وهنا جاءت النصوص النبوية تحذر من الفتن.
وتعظم حرمة الدماء.
وتدعو إلى كف اللسان واليد.
والسعي في الإصلاح.
ولهذا اعتزل عدد من كبار الصحابة رضي الله عنهم القتال في الفتن، لا جبنًا…
وإنما خوفًا من أن يلقوا الله وقد سفكوا دم مسلم بغير حق.
🛑 فهل تنطبق أوصاف دفع الصائل على حرب السودان؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي من أجله كُتب هذا المقال.
إن حرب السودان ليست حادثة اعتداء فردية.
وليست رجلًا اقتحم منزلًا.
وليست لصًا يريد سرقة مال.
بل هي حربٌ بين تشكيلات عسكرية كبيرة.
وتشابكت فيها حركات مسلحة.
وتدخلت فيها أطراف خارجية.
وتداخلت فيها الحسابات السياسية والعسكرية.
وسقط فيها عشرات الآلاف من المسلمين.
وشُرِّد الملايين.
ودُمِّرت المدن.
وانهارت مؤسسات الدولة.
فهل يصح -فقهًا- أن نختزل هذا المشهد كله في عبارة:
“هذه مجرد حالة دفع صائل”؟
إن هذا التوصيف يحتاج إلى دليل.
لأن تنزيل أحكام بابٍ فقهي وُضع لمعالجة اعتداءٍ مباشر على حربٍ مركبة بهذا الحجم، ليس أمرًا يُقال بالشعارات.
بل بالاجتهاد المنضبط.
وتحقيق المناط.
وجمع النصوص كلها.
لا الاقتصار على نصٍ واحد.
🛑 ما التوصيف الأقرب؟
بعد النظر في طبيعة هذا النزاع، يظهر أن الجزم بإلحاق حرب السودان بباب دفع الصائل على إطلاقه يحتاج إلى برهان فقهي واضح، كما أن الجزم بأنها تدخل في باب قتال البغاة بالمعنى الاصطلاحي الدقيق يتوقف على تحقق شروطه وضوابطه التي تكلم عنها الفقهاء.
أما الوصف الذي يظهر من ظاهر الحال، ولا يكاد يختلف عليه اثنان، فهو أننا أمام اقتتالٍ بين مسلمين، له أحكامه التي تبدأ بما بدأ الله به:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
قبل أي حكمٍ آخر.
ولعل هذا هو الذي أكده عدد من كبار العلماء المعاصرين.
فالشيخ العلامة صالح الفوزان في أجوبته عن الفتن والاقتتال بين المسلمين كان يؤكد على اجتناب الفتنة، والسعي في الإصلاح، ويحذر من المشاركة في سفك دماء المسلمين، ويستشهد بموقف الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي آثر الصبر على أن تكون بسببه فتنة تُراق فيها دماء المسلمين.
وكذلك وجَّه الشيخ الدكتور عثمان الخميس رسالة خاصة بشأن حرب السودان، دعا فيها إلى تقوى الله، ووقف الاقتتال، وحقن الدماء، والإصلاح بين المسلمين، ولم يجعل خطابه قائمًا على تأجيج الحرب، وإنما على تعظيم حرمة دماء المسلمين.
وهذا كله ينسجم مع افتتاح القرآن لهذا الباب العظيم بقوله:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
وليس:
فقاتلوا…
ولا:
حرِّضوا…
ولا:
استمروا في الحرب…
🛑 ثالثًا: إذن… ما هو الموقف الشرعي الذي ينبغي أن يلتزمه المسلم؟
بعد هذا العرض، قد يقول قائل:
إذا كانت حرب السودان ليست صورةً مطابقة لدفع الصائل، وإذا كان توصيفها على أنها من باب قتال البغاة يحتاج إلى تحقق شروطه وضوابطه…
فما هو الموقف الشرعي الذي ينبغي أن يلتزمه المسلم؟
والجواب…
أن أول ما ينبغي أن نلتزمه هو التواضع العلمي.
فلا يجوز أن نجزم بحكمٍ شرعي في قضيةٍ عظيمة تتعلق بدماء المسلمين، قبل استكمال شروطه، وتحقيق مناطه، وجمع نصوصه.
ولذلك فإن الواجب الأول ليس البحث عن النص الذي يبرر استمرار الحرب…
بل البحث عن النص الذي أراد الله أن نبدأ به.
وقد بدأ الله سبحانه هذا الباب بقوله:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
تأملوا…
هذه أول آية في الباب.
وأول خطوة في العلاج.
وأول تكليف شرعي.
وليس من قبيل المصادفة أن الله سبحانه وصف الطائفتين أولًا بأنهما “من المؤمنين”، رغم وقوع الاقتتال بينهما.
حتى تبقى رابطة الإيمان قائمة.
وحتى لا يتحول الخلاف إلى تكفير.
ولا القتال إلى استباحةٍ للدماء.
ثم جاء أول أمرٍ إلهي:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
ولم يقل:
انحازوا…
أو حرِّضوا…
أو صبوا الزيت على النار…
أو ابحثوا عن الأدلة التي تُسوِّغ استمرار الحرب.
بل قال:
أصلحوا.
وهذا هو الأصل الذي لا يجوز تجاوزه.
أما إذا تعذر الإصلاح، وثبت البغي وفق الضوابط الشرعية، انتقل الحكم إلى مرحلةٍ أخرى، لها شروطها الدقيقة، وليست محل اجتهاد العامة، ولا محل توظيف الأحزاب، ولا مادةً للتعبئة الإعلامية.
🛑 وهذا هو منهج كبار العلماء
ولم يكن هذا الفهم اجتهادًا معاصرًا، بل هو الامتداد الطبيعي لمنهج أهل العلم قديمًا وحديثًا.
فالشيخ العلامة صالح الفوزان أكد في عددٍ من أجوبته ودروسه المتعلقة بالفتن والاقتتال بين المسلمين، أن الواجب هو اتقاء الفتن، وتعظيم حرمة دماء المسلمين، والسعي في الإصلاح، محذرًا من الانخراط في الفتن التي يختلط فيها الحق بالباطل، ومستشهدًا بموقف الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي آثر أن يُقتل مظلومًا، على أن يكون سببًا في إراقة دماء المسلمين.
وكذلك وجَّه الشيخ الدكتور عثمان الخميس رسالةً إلى أهل السودان، دعاهم فيها إلى تقوى الله، وحقن الدماء، ووقف الاقتتال، والسعي إلى الإصلاح، والدعاء بأن يرفع الله هذه المحنة عن السودان وأهله.
وهذا كله ينسجم تمامًا مع افتتاح القرآن لهذا الباب العظيم بقوله:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
وليس:
فقاتلوا…
ولا:
حرِّضوا…
ولا:
استمروا في الحرب…
🛑 أين يكمن الخلل؟
إن المشكلة الحقيقية ليست في النصوص الشرعية…
فالنصوص واضحة.
ولكن المشكلة في ترتيب استعمالها.
فبعض الناس يبدأ من آخر الآية…
ويتجاوز أولها.
ويبحث عن النص الذي يوافق موقفه السياسي…
ثم يترك بقية النصوص.
بينما منهج أهل العلم هو:
جمع النصوص كلها.
وفهمها كلها.
ثم تنزيلها جميعًا على الواقع.
ولهذا كان العلماء يقولون:
“من جمع النصوص اهتدى، ومن أخذ ببعضها ضل.”
فلا يجوز أن نأخذ بباب دفع الصائل، ثم نهمل نصوص الإصلاح بين المؤمنين.
ولا أن نستدل بآية قتال البغاة، ثم نتجاوز الأمر الإلهي الذي سبقها:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
📜 كلمة أخيرة…
هذا المقال لا يدعو إلى تعطيل أحكام الشريعة.
ولا إلى ترك الدفاع عن النفس إذا وقع اعتداءٌ حقيقي.
ولا إلى إسقاط باب دفع الصائل.
ولا إلى إنكار أحكام قتال البغاة.
فهذه أبواب ثابتة في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ.
ولكنه يدعو إلى أمرٍ واحد…
أن نضع كل حكمٍ شرعي في موضعه الصحيح.
فدفع الصائل له بابه.
وقتال البغاة له بابه.
والفتنة بين المسلمين لها بابها.
ولا يجوز أن نخلط بين هذه الأبواب، ثم نبني على هذا الخلط أحكامًا تمس دماء المسلمين.
إن ميزان الحق ليس ما تريده الأحزاب.
ولا ما تفرضه البنادق.
ولا ما تروجه المنابر.
ولا ما تصنعه الجيوش الإلكترونية.
وإنما ميزان الحق هو:
القرآن الكريم…
والسنة الصحيحة…
وفهم سلف هذه الأمة…
الذين كانوا يرون أن أول واجب عند اقتتال المسلمين هو السعي في الإصلاح، وتعظيم حرمة الدماء، والخوف من الوقوف بين يدي الله وقد شارك الإنسان -بقول أو فعل أو تحريض- في إراقة دم مسلم بغير حق.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسلم على نفسه، قبل أن يردد أي خطاب ديني يبرر استمرار هذه الحرب، هو:
هل أتكلم بمنهج القرآن كله… أم بمنهج آيةٍ واحدة انتزعتها من سياقها؟
وهل أقتدي برسول الله ﷺ وصحابته وأئمة الإسلام…
أم أبحث عن النص الذي يوافق موقفي السياسي، ثم أترك سائر النصوص؟
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الخطباء الذين يوزعون صكوك الشرعية على الحرب…
بل يحتاج إلى رجالٍ ونساءٍ يحيون في الناس قول الله تعالى:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
فوالله…
لن يبني السودان مزيدٌ من البنادق.
ولن تعمره الفتاوى التي تؤجج الدماء.
ولن تحفظه الشعارات.
وإنما يحفظه العدل…
والإصلاح…
وتعظيم النفس التي قال الله فيها:
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
ونسأل الله أن يطفئ نار هذه الفتنة عن السودان وأهله…
وأن يجمع كلمة السودانيين على الحق…
وأن يحقن دماءهم…
وأن يردهم إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ ردًا جميلًا.
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.



