الأعمدة

الصحافة.. ومدّعو المهنية!

عبد الكريم البليخ
ما يثير الغضب، وربما يرفع ضغط الدم والسكري معاً، أن ترى أشخاصاً يتسلّلون إلى مهنة يفترض أنها تمنح أصحابها الاحترام والمكانة، ثم يعتدون على أبسط مقدساتها، بينما يجدون، للأسف، من يشجّعهم ويمنحهم المساحة، بل ويكرّس وجودهم ويفاخر بهم، وكأن الصحافة أصبحت باباً مفتوحاً لكل من قرر، ذات صباح، أن يعلّق على صدره صفة «صحفي»!
المشكلة ليست في المدّعي وحده، بل في أولئك الذين يصنعون منه اسماً، ويمنحونه ما لا يستحق، فقط لأنه قد يقدّم لهم منفعة ما، أو يفتح باب إعلان، أو يجلب عدداً من المشتركين، أو يسدّ فراغاً تعاني منه صحيفة أو مجلة. وهنا تتحوّل المهنية إلى سلعة، ويصبح المعيار ليس الكفاءة ولا التجربة ولا القدرة على الكتابة، وإنما مقدار ما يستطيع هذا الشخص أن يحققه من منفعة أو ريعية، وكأن الصحافة مشروع تجاري خالٍ من القيم والضوابط والمسؤولية!
ولجوء بعض المؤسسات إلى أمثال هؤلاء لا ينقذ الصحافة، بل يُساهم في إفسادها أكثر. فالذي يدخل المهنة من باب المصلحة، لا من باب الموهبة والمعرفة والتجربة، سرعان ما يعتقد أنه أصبح مرجعاً في كل شيء، وأن بإمكانه أن يكتب في السياسة والثقافة والرياضة والمجتمع، ويحلّل ويقرّر ويحاكم الآخرين، من دون أن يمتلك الحد الأدنى من أدوات المهنة.
وهنا تبدأ الكارثة.
فأمثال هؤلاء يظنون أن سلّم الصعود يمكن اختصاره بقفزة واحدة، أو بعلاقة، أو بصورة، أو بضع كلمات منمّقة، أو فرصة صنعتها المجاملة. ثم لا يلبث بعضهم أن يتقمّص دور الصحفي المحترف، ويتحدّث عن الإنجازات والأمجاد والمكاسب، فيما تجربته الحقيقية لا تتجاوز إعادة تدوير ما يكتبه الآخرون، أو ملاحقة ما يثير الاهتمام، أو الاحتماء بأسماء ومؤسسات تمنحه قيمة لا يملكها أصلاً.
والأخطر أن هذه الظاهرة لم تعد فردية أو عابرة، بل أصبحت تتكرّر بصورة تسيء إلى المهنة وإلى أصحابها الحقيقيين. فهناك من لا يستطيع إنجاز مادة صحفية خارج قالب جاهز ومرسوم، ولا يملك رؤية مستقلة، ولا قدرة على البحث أو التحليل، ومع ذلك يقدّم نفسه بوصفه إعلامياً أو صحفياً، ويطالب الآخرين بالاعتراف بمكانته!
أما حين يصل الأمر إلى التعدّي على حقوق الآخرين، فالمسألة تصبح أكثر سوءاً.
أن تُنشر مادة صحفية سبق أن تناولها زميل، ثم يُكتفى بتغيير عنوانها أو تعديل بعض الكلمات والفقرات لتتلاءم مع حدث جديد، فذلك ليس إبداعاً ولا اجتهاداً ولا «إعادة معالجة»، بل استسهال واضح وسلوك يناقض أبسط قواعد الأمانة المهنية.
وأن يتم قصّ ونسخ أفكار ومواد نشرها زملاء متميّزون، ولاقت اهتمام القرّاء، ثم يعاد تقديمها بثوب مختلف وكأنها نتاج جهد شخصي، فهذا لا يصنع صحفياً، مهما حاول صاحبه الاحتماء بالعناوين أو الصفات أو العلاقات.
الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له. وليست بطاقة تعريف، ولا لقباً يُمنح بالمجاملة، ولا وسيلة للظهور الاجتماعي، ولا جسراً للحصول على منفعة أو شهرة سريعة. الصحافة معرفة، وموهبة، وذاكرة، وثقافة، وجرأة، وأمانة، وتراكم طويل من التجربة والعمل.
ومن المؤسف أن بعض من يتصدّرون المشهد اليوم لم يتعلموا من الصحافة سوى شكلها الخارجي؛ عنوان هنا، وصورة هناك، ومنشور منسوخ، ومادة مستنسخة، ثم يبدأ الحديث عن «المهنية»!
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الصحافة ليس ضعف الإمكانات وحده، ولا قلة الموارد، بل أن تصبح أبوابها مشرّعة أمام المدّعين، وأن يجد هؤلاء من يصفّق لهم ويمنحهم الشرعية، فيما يُهمّش أصحاب التجربة والكفاءة والموهبة الحقيقية.
حينها لا نكون أمام أزمة صحافة فحسب، بل أمام أزمة قيم ومهنية أيضاً.
فصفة «صحفي» يمكن لأي شخص أن يكتبها إلى جانب اسمه، لكن أن يكون صحفياً بالفعل، فذلك أمر آخر تماماً؛ لأن المهنة لا تُكتسب بالادّعاء، ولا تُسرق بالنسخ، ولا تُمنح بالمجاملة، ولا تصنعها العلاقات.
المهنية وحدها هي التي تمنح الصحفي اسمه ومكانته، وما عدا ذلك ليس سوى ضجيج عابر، مهما طال بقاؤه.

زر الذهاب إلى الأعلى