تقارير

أسئلة مشروعة حول صفقات الذهب وإخلاء المعدنين السودانيين بقوة السلاح

نسبت تقارير صحفية إلى رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس تصريحات تدعو حكومة بورتسودان إلى الوفاء بالتزامات تتعلًّق بتسليم مواقع تعدين متعاقد عليها، من بينها مربعات ذهب في شمال البلاد، إضافة إلى مواقع في منطقة المقرن بالخرطوم عند ملتقى النيلين. وربط ساويرس، وفقًا لهذه التقارير، انطلاق استثمارات شركاته باستكمال إجراءات إخلاء هذه المواقع من العاملين والمعدنين التقليديين.
هل تُفسّر هذه المطالبة بـ “الإخلاء” ما شهدته المنطقة الحدودية مؤخرًا من عمليات عسكرية نفذها الجيش المصري، استهدفت معدنين سودانيين بدعوى مكافحة التعدين غير المشروع؟ وما الذي يفسّر صمت السلطات السودانية إزاء عمليات طالت مواطنيها على أرض يفترض أنها تمثل حدود السيادة الوطنية؟
الصورة أكثر تعقيدًا
لكن الصورة قد تبدو أكثر تعقيدًا. فقد صدر عن وزارة المعادن السودانية، بحسب ما نقلته إحدى الصحف، نفيٌ لوجود اتفاق موقّع رسميًا مع ساويرس، مع التأكيد بأن أي اتفاقيات حكومية تخضع للإعلان والتشاور مع الجهات المعنية.
ورغم نفي وزارة المعادن السودانية الاتفاق مع ساويرس، فإن هذا النفي لا يُنهي النقاش بالضرورة، بل قد يفتح بابًا آخر من الأسئلة. لأن هذا النفي لا يعكس حقيقة الموقف الكامل، وإنما ينفي فقط علم الوزارة ذاتها بما جرى، في حال كان أي تفاهم من هذا النوع قد مرّ عبر دوائر قرار أعلى من الوزارة، مثل الدوائر الأمنية والاقتصادية أو السيادية التابعة لسلطة الأمر الواقع، التي تتخذ قراراتها الاستراتيجية بمعزل عن الأجهزة التنفيذية المعتادة.
لكن، ما مصلحة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس في اختلاق معلومات وتصريحات كاذبة؟ فقد أعرب رجل الأعمال منذ عام 2023 عن تعاطفه مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، ودافع عن هذا الموقف علنًا حين سُئل عنه بما يشير إلى أنه لا يتردد عادة في الإفصاح عن مواقفه ومصالحه بصورة مباشرة.
لذا لا يبدو أن لدى ساويرس حافزًا لاختلاق التزامات حكومية غير موجودة، بل الأرجح أن تصريحاته تعكس تفاهمًا فعليًا جرى التوصل إليه مع طرف سوداني ما، سواء كان هذا الطرف هو الوزارة المعنية أو جهة أعلى منها لم تُطلع الوزارة على كامل تفاصيله.
كيف تُبرم مثل هذه الاتفاقيات عادة؟
عادة ما تبدأ الحكومة بالإعلان عن الموقع أو الرخصة المطروحة للاستثمار عبر وزارة مختصة، كالمعادن أو المالية، بشكل علني، يُتيح لأكثر من طرف التقدم، ثم تُطرح المواقع الكبرى عبر عطاء تنافسي بين عدة شركات، حتى تضمن أفضل عائد ممكن. وبعد رسو العطاء أو اختيار الشريك تجري مفاوضات تفصيلية حول نسب الحصص وعوائد الدولة والالتزامات البيئية والاجتماعية تجاه السكان المتأثرين، ثم يمر العقد النهائي بمراجعة قانونية يعقبها تصديق من الجهة التشريعية المخوّلة دستوريًا، وهو ما يمنحه صفته الشرعية والإلزامية. وتقضي الممارسة الشفافة بنشر بنود العقد الرئيسية، خصوصًا فيما يتعلق بالعوائد وحقوق المجتمعات المحلية، حتى يستطيع الجمهور والرقابة المستقبلية محاسبة الأطراف عليها. وحين تغيب إحدى هذه الخطوات، يصبح أي إعلان عن “التزامات” يجب الوفاء بها مثار شك مشروع، لأنه يفترض وجود عقد نافذ دون أن يكون قد مرّ بالمسار الذي يمنحه شرعيته الكاملة.
إن سلطة الأمر الواقع في بورتسودان جاءت في سياق انقلاب عسكري، وتفتقر إلى تفويض شعبي أو رقابة برلمانية منتخبة. ولذا فإن مهمة أي سلطة أمر واقع من هذا النوع، تنحصر في تسيير الشؤون اليومية للدولة والحفاظ على الأمن، لا في إبرام عقود استراتيجية طويلة الأمد تمس ثروة الأجيال القادمة كالذهب أو أراضي العاصمة. ومما لا شك فيه أن مربعات الذهب شمالًا تمثل موردًا اقتصاديًا حيويًا في ظل الانهيار المالي الذي تعيشه البلاد، وأي تفريط فيها دون معرفة العائد الحقيقي يطرح سؤالًا عن الجهة المستفيدة فعليًا من هذه الصفقات.
خلفية لا يمكن تجاهلها
قصة ساويرس مع التعدين السوداني ليست جديدة. فقد امتلكت مجموعته “لامنشا ريسورسز” (La Mancha Resources)، وهي الشركة الكندية التي استحوذت عليها عائلة ساويرس عام 2012؛ حصة في شركة أرياب للتعدين (AMC) المشغّلة لمنجم “هسّاي” في شرق السودان. وكانت حصتها في شركة أرياب للتعدين عام 2012، قبل أن تضطر لبيعها للحكومة السودانية عام 2015، مثار خلافات في الرؤى بين الطرفين.
وفي سبتمبر 2025، أُعلن عن توقيع بروتوكول تعاون جديد لاستئناف أنشطة استكشاف الذهب، ربطه ساويرس نفسه بانتهاء الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 وتحسّن البيئة الأمنية كشرط لتحويل أي مذكرة تفاهم إلى استثمار فعلي على الأرض. لكن برزت في الأسابيع الأخيرة تطورات ميدانية موازية تستحق الانتباه؛ فقد أكدت تقارير وجود تحركات لقوات الحدود المصرية على الحدود مع السودان، وضربات استهدفت مجموعات سودانية متهمة بالتنقيب غير المشروع بعد تجاوزها الحدود، وهو ما يضيف بعدًا أمنيًا وسياديًا جديدًا لملف الذهب على الحدود بين البلدين، ويجعل السؤال عن طبيعة أي تفاهمات تخص هذه المناطق أكثر إلحاحًا.
تجاذبات داخلية وخارجية
قد تفسّر القراءة الواقعية لهذا الملف هرولة سلطة الأمر الواقع في السودان نحو اتفاقات سرية وتنازلات غير معلنة، خشية أن يحوّل ساويرس بوصلته الاستثمارية نحو الطرف الآخر في الصراع، فيبني معه تحالفات واستثمارات تكون عواقبها وخيمة على سلطة الأمر الواقع في بورتسودان.
يضاف إلى ذلك أن قطاع الذهب في السودان شهد خلال الأشهر الأخيرة اضطرابات إدارية لافتة، من بينها إنهاء سلطة الأمر الواقع المفاجئ لخدمة محافظ البنك المركزي في أكتوبر 2025 عقب أزمة نشبت بينه وبين مصدّري الذهب ومجلس الوزراء، وهو ما يعكس حجم التجاذبات الداخلية حول من يملك القرار الفعلي في هذا الملف الحساس. كما شهدت مناطق إنتاج الذهب احتجاجات شعبية، من بينها اعتصام سلمي نظمه سكان منطقة “حلة يونس” غرب بربر في يوليو 2025 احتجاجًا على توسع أحواض التعدين العشوائي قرب مناطقهم، في مؤشر على أن غياب الشفافية في هذا القطاع لا يقلق النخبة السياسية فحسب، بل يمس المجتمعات المحلية المتأثرة مباشرة. وفي مطلع يوليو 2026 أعلنت وزارة المعادن عن مشروع تحول رقمي جديد لمراقبة قطاع التعدين التقليدي ومكافحة تهريب الذهب، وهي خطوة قد تكون مرتبطة بمحاولة الدولة استعادة السيطرة على ملف بات يتقاطع فيه المال والسياسة والنفوذ الإقليمي في آن واحد.
وسواء كانت العلاقة بين موقف ساويرس السياسي واستثماراته المعدنية علاقة سببية مباشرة أو مجرد توافق في التوقيت، فإنها تضيف طبقة إضافية من الأسئلة حول الجهة السودانية التي يتفاوض معها فعليًا، وما إذا كانت تلك الجهة هي المؤسسات الرسمية المعترف بها أم أطراف أخرى ذات نفوذ موازٍ.

زر الذهاب إلى الأعلى