
✍️ محمد الفاتح حضرة
💣 منذ أن اندلعت الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، ظل خطاب البرهان وحلفائه يقوم على حجة أساسية:
نحن في حرب ضد التمرد… ولذلك لا يمكن تسليم الحكم للمدنيين قبل القضاء على التمرد‼️
قد تبدو هذه الحجة، للوهلة الأولى، منطقية.
لكنها تخفي سؤالاً أكبر:
لماذا أصبحت الحرب سبباً لاستمرار الحكم العسكري؟!
🛑 في تقديري، علينا أن نعود خطوة إلى الوراء.
هذه ليست مجرد حرب اندلعت فجأة بين طرفين عسكريين، ثم وجدت الدولة نفسها مضطرة إلى إدارتها..
🫵بل ..إنها حرب مصنوعة؛ اصطَنعتها جماعة ما يُسمى بالحركة الإسلامية، والتيار الإسلامي العريض، وشركاؤهم داخل الجيش وداخل الدعم السريع.
🫵 وكان الهدف السياسي واضحاً ومعلناً :
وقف تنفيذ الاتفاق الإطاري، ومنع استعادة عملية التحول المدني والانتقال الديمقراطي.
فقد كان السودان، قبل اندلاع الحرب، يقف أمام استحقاق سياسي يعيد السلطة إلى المدنيين، ويفتح الطريق أمام استكمال عملية الانتقال الديمقراطي.
وكان الاتفاق الإطاري، الذي جمع الجيش والدعم السريع وقوى الحرية والتغيير، يمثل الطريق إلى إنهاء الانقلاب واستعادة المسار المدني.
وهذا بالضبط ما كان يعني نهاية الطريق أمام أصحاب مشروع السلطة القديمة من فلول نظام الإنقاذ.
فسعوا إلى إغلاق الطريق أمام تنفيذ الاتفاق الإطاري…
فكانت الحرب طريقهم إلى ذلك.
🧐 ومن هنا نفهم شيئاً مهماً:
الحرب لم تكن مجرد معركة على الأرض بين الجيش والدعم السريع، بل تحولت إلى أداة سياسية لوقف ثورة ديسمبر ووأد عملية التحول المدني والانتقال الديمقراطي.
أشعلوا الحرب لمنع الانتقال المدني…
ثم قالوا إن الحرب هي التي تمنع الانتقال المدني‼️
🛑 وهكذا جاءت الحجة:
«لن نوقف الحرب حتى نقضي على التمرد.»
🤔 وقد يقول قائل:
نحن في حالة حرب فعلاً، والجيش يقاتل قوة متمردة، فكيف يُطلب من قائد الجيش أن يترك السلطة في هذه الظروف؟!
لكن هذا ليس هو السؤال.
السؤال الحقيقي هو:
من قال إن مقاتلة التمرد تستلزم أن يحكم الجيش الدولة؟!
ومن قال إن وجود الحرب يلغي الحكومة المدنية؟!
ومن قال إن الجيش لا يستطيع أن يقاتل بينما الحكومة المدنية تحكم؟!
🫵 الجيش يقاتل… والحكومة المدنية تحكم.
هذه ليست معادلة مستحيلة.
فالحرب لا تعني بالضرورة إلغاء مؤسسات الحكم المدني، ولا تجعل وجود الحكومة المدنية متعارضاً بذاته مع استمرار العمليات العسكرية.
المشكلة إذن ليست في وجود الحرب وحدها…
بل تبدأ عندما تتحول الحرب من مهمة عسكرية إلى مبرر سياسي لبقاء العسكريين في سدة الحكم.
🧐 وهنا تأتي الواقعة التي يصعب تجاوزها.
في 19 مايو 2025، وبينما كانت الحرب لا تزال مشتعلة، عيّن البرهان كامل إدريس رئيساً للوزراء، ثم أدى إدريس اليمين في نهاية الشهر.
أي أن الحرب التي قيل لنا إنها تمنع الانتقال إلى الحكم المدني…
لم تمنع تعيين رئيس وزراء مدني وحكومة مدنية‼️
صحيح أن تعيين كامل إدريس لم يكن تسليماً حقيقياً للسلطة إلى المدنيين، ولم يكن استعادةً للحكم المدني الديمقراطي.
لكنه يكشف التناقض في أصل الحجة:
إذا كانت الحرب تمنع وجود المدنيين في الحكم…
فكيف أصبح ممكناً تعيين رئيس وزراء مدني أثناء الحرب؟!
وإذا كان الظرف العسكري يمنع أي دور سياسي للمدنيين…
فلماذا أصبح هذا الدور ممكناً عندما احتاج العسكر إلى ترتيبات سياسية؟!
🫵 وهنا لا نحتاج إلى خطبة طويلة.
واقعة واحدة تكفي لفتح السؤال… والسؤال وحده يهز أصل الحجة.
وهكذا…
بُهِتَ البرهان‼️
🧐 لكن الأمر لم يتوقف عند تعيين كامل إدريس.
فقد ظهرت لاحقاً محاولات ومسارات للحوار السياسي، بينما الحرب مستمرة.
وهنا يعود السؤال نفسه:
إذا كانت الحرب تمنع استعادة عملية التحول المدني والانتقال الديمقراطي…
فكيف يصبح الحوار السياسي ممكناً أثناء الحرب؟!
وهذا ينكشف جوهر المسألة:
🛑 الحرب ليست هي التي تمنع إجراء العملية السياسية.
فالسياسة تستمر أثناء الحرب عندما يريدها أصحاب السلطة.
والمدنيون يمكن استدعاؤهم عندما تكون هناك حاجة إليهم.
والحوار يمكن فتحه عندما تكون هناك مصلحة سياسية في فتحه.
لكن عندما يطالب الشعب باستعادة الحكم المدني والديمقراطية…
تتحول الحرب فجأةً إلى سبب لتأجيل كل شيء‼️
🛑 وهنا جوهر القضية كلها:
المشكلة ليست في أن يكون هناك جيش يقاتل قوة متمردة.
وليست في أن تكون للدولة مؤسسات عسكرية تدير الحرب.
المشكلة في تحويل الحرب إلى حجة دائمة لتأجيل الانتقال المدني.
كلما قال الشعب:
نريد حكومة مدنية.
قيل له:
ليس الآن… نحن في حرب.
وكلما قيل:
نريد استعادة الديمقراطية.
قيل:
ليس الآن… حتى ينتهي التمرد.
وكلما قيل:
نريد إنهاء الانقلاب.
قيل:
ليس الآن… فالأولوية للمعركة.
لكن عندما يحتاج العسكر إلى رئيس وزراء مدني، أو إلى حوار سياسي، أو إلى ترتيبات مدنية، أو إلى واجهة سياسية أمام الداخل والخارج…
تسقط فجأةً حجة أن الحرب تمنع أي مسار مدني‼️
🧐 ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن نواجه به هذا الخطاب ليس:
هل نقاتل التمرد أم لا؟
فهذا سؤال آخر.
🫵 السؤال هو:
من قال إن قتال التمرد يعطي الجيش حق حكم السودان؟!
ومن قال إن انتهاء الحرب هو الشرط اللازم لعودة الحكم المدني؟!
بل السؤال الأعمق:
هل الحرب هي التي منعت الانتقال المدني؟
أم أن الذين أرادوا منع الانتقال المدني…
استخدموا الحرب لمنعه؟!
🛑 الخلاصة‼️
لم تكن المشكلة في أن السودان يخوض حرباً.
ولم تكن المشكلة في أن الجيش يقاتل قوة عسكرية متمردة عليه.
المشكلة في استغلال الحرب وتحويلها من تمرد عسكري إلى حجة سياسية تمنع استعادة الحكم المدني.
فالذين يقولون:
لا يمكن أن نبدأ عملية التحول المدني لأننا في حرب…
هم أنفسهم الذين استطاعوا، والحرب مشتعلة، أن يعيّنوا رئيساً للوزراء، وأن يفتحوا مسارات سياسية، وأن يبحثوا عن ترتيبات مدنية.
وهنا تسقط الحجة من داخلها:
إذا كانت الحرب لا تمنع تعيين المدنيين ولا الحوار معهم، فلا يمكن أن تكون الحرب وحدها هي السبب الذي يمنع تسليم السلطة إلى المدنيين.
🫵 ولذلك فالسؤال الحقيقي ليس:
متى تنتهي الحرب حتى يبدأ التحول المدني؟!
وإنما:
هل كان منع التحول المدني هو أحد الأهداف السياسية للحرب منذ البداية؟!
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
الحرب لم تمنع العسكر من صناعة ترتيبات مدنية عندما احتاجوا إليها…
لكن استعادة التحول المدني الحقيقي هي التي تهدد استمرار احتكارهم للسلطة.
🎭 وهكذا يلتقي المشهد السوداني بمشهد سيدنا إبراهيم عليه السلام مع النمرود.
لم يحتاج سيدنا إبراهيم إلى هدم كل حجج النمرود واحدةً واحدة…
بل ..ذهب الي الامام و وضعه أمام سؤال مباشر:
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ.
🫵 وكذلك هنا نقول للعسكر الانقلابيين :
إذا كانت الحرب لم تمنع تشكيل حكومة كامل إدريس المدنية …
فلماذا تُستخدم الحرب لمنع إستعادة عملية التحول المدني والانتقال الديمقراطي ؟!
🫵ذلك هو السؤال الذي يسقط حجج العسكر وشركائهم..
وهكذا..
بُهِتَ البرهان‼️



