
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي
لا نختلف على الإطلاق في أن التظاهر السلمي للتعبير عن موقف، أياً كان، هو حق مشروع في كل مكان وزمان، أو هكذا يفترض من الوجهة المثالية، حينما يكون معبّراً بأسلوب حضاري يعكس ما يريد الموكب، المحدد المسار والواضح الشعار، أن يوجهه من رسائل إلى جهة ما، داخلية أو خارجية، دون هرج أو خلق فوضى أمنية تضر بالممتلكات العامة والخاصة، ودون غوغائية لا تسمن ولا تغني من جوع.
خاصة في الظروف التي تكون فيها أولويات الشارع هي كيفية قيام السلطات بالاهتمام بتحسين مستوى المعيشة، والالتفات إلى ما هو أهم من التحشيد في غير المكان والزمان المناسبين.
ومع أن المواكب لا تغيّر بالضرورة من سياسات الدول المرسومة وفق ما تراه تلك الدول محققاً لمصالحها العليا، سواء أكانت تلك السياسات صحيحة أم خاطئة، فإن التاريخ القريب يحمل لنا نماذج عديدة تؤكد محدودية تأثير مثل هذه الاحتجاجات على القرار السياسي للدول.
فلطالما خرجت المظاهرات الهادرة في دول غربية حين أيدت حكوماتها الغزو الأمريكي للعراق، على خلفية ما قيل وقتها عن امتلاك نظام البعث بقيادة صدام حسين أسلحة كيميائية وأسلحة دمار شامل.
فهل حرّكت تلك المظاهرات شعرة في رؤوس حكام تلك الدول، أو زحزحت مواقفها؟
لقد مضت الحكومات في سياساتها، وبقي التظاهر في نهاية الأمر إحدى الوسائل التي عبّرت بها الشعوب عن رفضها، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير القرار السياسي للدولة.
ومن هنا، فإن الدعوة التي أطلقتها بعض الجهات للتعبير عن رفض القرار الأمريكي بعدم منح الفريق أول عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول لمخاطبة الاحتفالية السنوية للمنظمة الدولية، قد تأتي بنتائج عكسية، وقد تقلب ظهر المجن على الذين دعوا إليها، إذا ما جاءت في توقيت خاطئ، يتوق فيه الشعب إلى الحلول الناجعة لقضايا الاقتصاد، وتدهور قيمة الجنيه، نتيجة ضعف الموارد الإنتاجية، والتهام شهية الحرب لميزانية الدولة، على شحها.
دعونا من تكرار تجربة تمجيد الأشخاص، وإهدار الزمن، وإثارة الغبار فيما لا طائل من ورائه.
فلن يتأثر جلد أمريكا بذلك السلخ الوهمي من على البعد، حتى لو خرجت شعوب الدول الغاضبة من سياساتها، دعك عن خروج بضعة آلاف من مساجد الجمعة في الخرطوم الجريحة أو في أي مناطق أخرى، بتجييش أناس سيعود أغلبهم، بعد أن تبحّ حناجرهم بالهتاف والمناداة بالموت لأمريكا، إلى بيوتهم، حيث قد يجدون فيها ناراً يبحثون بها عن وسيلة لتطييب طعام أطفالهم الذين يتضورون جوعاً!
فكيف تحكمون، يا أولي الألباب؟
والله من وراء القصد.



