
بقلم/ إيهاب الأمين
من أكبر الأكاذيب التي ظل يروجها الكيزان للشعب السوداني أن العلمانية تعني محاربة الإسلام، فقد ظلت الحركة الإسلامية تجعل من هذه الفكرة سلاحاً لتخويف الناس، لأنها تعلم أن الدولة التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون والمساواة لا تترك مجالاً للمتاجرة بالدين ولا تمنح أحداً امتيازاً باسم العقيدة. لم يكن الصراع في السودان يوماً بين الإسلام والعلمانية، وإنما كان بين دولة القانون ودولة التنظيم، بين وطن يتساوى فيه المواطنون، وسلطة تريد أن تجعل الدين وسيلة للاحتفاظ بالحكم مهما كان الثمن.
لقد حكمت الحركة الإسلامية السودان لأكثر من ثلاثين عاماً، وكانت النتيجة واحدة من أسوأ التجارب السياسية في تاريخ البلاد، ففي ظل حكمها تراجع الاقتصاد، وانتشر الفساد، وتقسم السودان وتآكلت مؤسسات الدولة، ودُفع السودانيون إلى الفقر والهجرة والنزوح، وأصبح الوطن ساحةً للأزمات المتلاحقة بينما تحول الكيزان إلى أثرياء بسرقاتهم وجرائمهم وإمساكهم بمناصب الدولة دون مؤهلات ولا كفاءة، وكلما اشتدت الأزمات كان الخطاب الديني يُستخدم لحماية السلطة من النقد، ومن الإسقاط وكأن معارضة الحكومة معارضةٌ للإسلام نفسه.
إن الإسلام دين عدل ورحمة وأمانة، فلا أحد يمكنه أن يحتكر الإسلام ولا يملك حق التحدث باسمه أو منح نفسه حصانة من المحاسبة لمجرد أنه يرفع شعارات دينية.
أخطر ما فعلته الحركة الإسلامية هو تحويل الدين من قيمة أخلاقية تجمع الناس إلى أداة للصراع السياسي، بحيث أصبح الولاء للتنظيم يسبق الولاء للوطن، وأصبحت الشعارات الدينية تُستخدم لتبرير السياسات والدفاع عنها مهما كانت نتائجها، واليوم بينما يعيش السودان إحدى أحلك مراحله، لا يزال أنصار الحركة الإسلامية يرفعون الشعارات نفسها التي رددوها طوال عقود، وكأن البلاد لم تدفع ثمناً باهظاً من أمنها واستقرارها ووحدتها بسبب شعاراتهم الكاذبة ومواقفهم الفاسدة ولا يزالون يقدمون أنفسهم باعتبارهم حماة الوطن رغم أن كل السودانيين يحملونهم المسؤوليةً السياسية والأخلاقية عن المسار الذي أوصل البلاد إلى هذا الواقع المأساوي.
لهذا كله يجب أن يعرف الجميع أن العلمانية ليست خطراً على الإسلام، بل هي الضمانة الحقيقية لعدم استغلال الإسلام في السياسة، فهي لا تمنع أحداً من أداء شعائره، ولا تحارب العقيدة، وإنما تمنع الدولة من الانحياز لدين أو حزب أو جماعة، وتجعل معيار الحقوق والواجبات هو المواطنة وحدها.
إن السودان لن يخرج من دوامة الانقلابات والحروب والاستقطاب الديني إلا عندما تُبنى الدولة على أسس جديدة، دولةٌ تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، لا تُمنح فيها السلطة باسم الدين، ولا تُكتسب فيها الشرعية بالشعارات، بل بالانتخاب الحر، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، والمحاسبة، والشفافية.
لقد جُرِّبت دولة أدعياء الإسلام من أهل الحركة الإسلامية وكانت الحصيلة انقساماً وفساداً وحروباً وتراجعاً في كل المجالات وقد سرقوا ونهبوا وقتلوا ثم أشعلوا الحرب وظلوا ينادون باستمرارها عساها تكون سبباً يرجعهم إلى السلطة، أما الدولة المدنية العلمانية القائمة على المواطنة المتساوية والتي يحلم بها الشعب السوداني فهي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية لحماية الدين من الاستغلال، وحماية السياسة من القداسة، وحماية السودان من تكرار المأساة.
إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج التجربة التي أوصلته إلى هذا الخراب، بل يحتاج إلى قطيعة حقيقية مع استغلال الدين في السياسة. فالدولة التي تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وحياد مؤسسات الدولة تجاه جميع الأديان، ليست خطراً على الإسلام، وإنما هي الضمانة الوحيدة لكي يبقى الدين لله، ويبقى الوطن لجميع أبنائه، فلا يُستغل الإيمان للوصول إلى السلطة، ولا تُرتكب الأخطاء باسم العقيدة، ولا يُعفى أحد من المحاسبة لأنه يرفع شعاراً دينياً.



