
منذ اندلاع الحرب في 2023 اعتمدت حكومة بورتسودان على ترجيح كفة تمويل الحرب على معاش الناس، وتقديم المعالجات الطارئة، بدلًا عن الحلول السياسية التي تتطلب الجلوس للتفاوض قبل كل شيء. وبدلًا من ذلك لجأت الحكومة إلى تقليص رواتب العاملين في الخدمة المدنية إلى 60% من قيمتها، بحسب حديث وزير مالية سلطة الأمر الواقع جبريل إبراهيم في حواره الأخير مع التلفزيون القومي، في مثال واضح على سلوك السلطة خلال ثلاث سنوات من الحرب.
وتُظهر تقارير صحفية واقتصادية، التصاعد المتوالي في أسعار السلع الاستهلاكية منذ اندلاع الحرب، والتي ارتفعت بما يعادل أكثر من عشرة أضعاف منذ ثلاث سنوات، متأثرة بتقلبات سعر صرف الجنيه مقابل الدولار في السوق الموازي، وهو أبرز دليل على حالة التضخم اللانهائية، هذا إلى جانب ارتفاع تكلفة الاستيراد والنقل بسبب تصاعد أسعار الوقود، مما زاد من معاناة المواطنين الذين يواجهون ضغوطًا متزايدة في المعيشة بسبب الحرب المستمرة.
لكن، لماذا ترغم سلطة بورتسودان نفسها على وضعية الحرب واقتصادها، رغم وضوح الخيار السياسي، وهي تعلم أن الوصول إلى السلام هو الخطوة الأولى لعلاج الأزمات الاقتصادية المتراكمة؟ إذًا، لا بد من مستفيد من الحرب، وبالتالي من ضيق معاش المواطنين.
تضارب السياسات الاقتصادية
ويُبرز تراجع سلطات الأمر الواقع عن عن حظر استيراد 46 سلعة وشرط إيداع الشركات العاملة في استيراد الوقود لـ200 كيلوغرام من الذهب لدى بنك السودان المركزي، مدى تضارب السياسات الاقتصادية لسلطة الأمر الواقع. ووفقًا لمتابعات “صحيح السودان”، فإن التراجع يعود لضغوط مارستها شركات محمية من قبل عسكريين ونافذين في مجلس السيادة الانقلابي في بورتسودان. كما أن قرار إيداع الذهب قد فجّر خلافات حادة بين مجلس وزراء بورتسودان وتلك الشركات المحمية من قبل العسكريين المتنفذين.
وكانت سلطة الأمر الواقع قد حظرت، في أبريل الماضي، استيراد 46 سلعة تجارية، تضمنت منتجات متنوعة تبدأ من المواد الغذائية مثل الأرز والصلصة، ومواد البناء كالسيراميك والزنك والأسمنت. وترافق معه شرط إيداع الشركات العاملة في استيراد الوقود لـ 200 كيلوجرام من الذهب لدى بنك السودان المركزي.
الأسعار والدولار والمواطن
تأتي هذه القرارات على الرغم من استمرار تراجع الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، ليتجاوز سعر الدولار حاجز الخمسة آلاف جنيه سوداني في السوق الموازي؛ رغم إعلان البنك المركزي ضخ 400 مليون درهم للمصارف لتلبية طلبات الاستيراد، ومقاومة الانخفاض الكبير في سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار، مؤكدًا استمرار عمليات الضخ لحين عودة الأوضاع إلى طبيعتها، وكذلك ضخ النقد الأجنبي لتلبية احتياجات المستوردين.
وبلغ سعر الكيلو اللحم في مناطق بمدينة الخرطوم 48 ألف جنيه، وتُباع ثلاث قطع من الرغيف بألف جنيه، فضلًا عن ارتفاع جنوني في سعر غاز الطهي، وبلغ سعر الأسطوانة حجم 12.5 كيلو ما بين 100 ألف و110 آلاف جنيه.
من المستفيد؟
يُظهر تضارب السياسات الاقتصادية، منذ بدء الحرب أطرافًا مستفيدة من استمرارها. وخلال ثلاث سنوات من الحرب، ظهرت طبقة جديدة قوامها عناصر من النظام البائد وعسكريون مدعومون من أعضاء في مجلس سيادة بورتسودان؛ يُحكمون قبضتهم على سوق الاستيراد، ولا سيما الوقود. وساهمت هذه الطبقة التي تعرف محليًا بـ “الجوكية” خلال الفترة السابقة في انهيار قيمة الجنيه مقابل الدولار عبر دخولها في مضاربات العملة في السوق السوداء؛ بما يؤثر بالضرورة على أسعار الوقود والمواد الاستهلاكية.
وأمام هذا الواقع تفشل نظريات اقتصاد الحرب، التي تتبناها سلطة الأمر الواقع، بزيادة الرسوم والجبايات الحكومية والجمارك في تحقيق أي نصر، لتتحمل المسؤولية المباشرة عن التدهور الاقتصادي والمعيشي، نتيجة فشلها الواضح في إدارة الموارد العامة واحتكارها للنشاط الاقتصادي.



