
✍️محمدالفاتح حضرة
🧭25 يوليو2026
منذ إندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، إنشغل السودانيون جميعاً بسؤال واحد:
من الذي أشعل الحرب؟
🧐🤔
لكن…
ربما كان هذا السؤال، على أهميته، قد حجب عنا سؤالاً أكبر وأخطر:
من المستفيد من إستمرار هذه الحرب؟!
كثيرون يعتقدون أن الإجابة سهلة، فيشيرون إلى دولة بعينها مثل دولة الأمارات، أو إلى محور إقليمي معين، أو إلى طرف دولي محدد..
لكن الواقع السياسي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
ففي العلاقات الدولية، ليس من الضروري أن تجتمع الدول في غرفة واحدة لتضع مؤامرة مكتملة الأركان..
🫵بل يكفي أن تتلاقى المصالح ‼️
قد تختلف الدول في ملفات كثيرة، وقد تتنافس فيما بينها، بل وقد تتصارع في ساحات أخرى، لكنها قد تجد نفسها -دون إتفاق مباشر- مستفيدة من استمرار أزمة معينة في دولة ما ‼️💢
وهنا تصبح النتيجة واحدة…
حتى وإن اختلفت الدوافع.
Consensus, not agreement
ولهذا فإنني لا أنظر إلى ما يجري في السودان بوصفه مؤامرة تقليدية بقدر ما أراه حالة من توافق أو تلاقي المصالح الإقليمية والدولية على استمرار الحرب واستنزاف أطرافها.
ولعل أول خطوة لفهم ما يجري هي أن نتوقف عن النظر إلى الحرب باعتبارها مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع..
فالحرب قد تجاوزت هذه المرحلة منذ زمن.
وأصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات الداخل مع مصالح الخارج.
لكن المؤسف…
أن أطراف الصراع داخل السودان لا تبدو منشغلة إلا بصراعها على السلطة والنفوذ.
و أما الشعب السوداني…
فقد انقسم بدوره إلى معسكرات متصارعة.
🫵فريق يشجع الجيش مهما فعل وينسون كل مافعل..
🫵وفريق يشجع الدعم السريع مهما ارتكب من مجازر وإنتهاكات..
🫵وهنالك فريق ثالث يعيش معركة أخرى، بين جماعة ما يسمى بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والتيار الإسلامي العريض من جهة، وبين القوى المدنية والسياسية التي تنادي باستكمال عملية التحول المدني والانتقال الديمقراطي من جهة أخرى.
وهكذا ..أصبح كل فريق يُحمِّل الآخر مسؤولية الحرب، ويغرق في حملات التخوين والتعبئة والكراهية.
🧐🫵وفي خضم هذا الانقسام الحاد…
غاب السؤال الأكبر:
هل يرى السودانيون المشهد كاملاً… أم أنهم ينظرون فقط إلى الجزء الذي يريد كل طرف أن يروه؟
🛑 فلاش باك…
إذا أردنا أن نفهم ما يحدث اليوم، فلا بد أن نعود قليلاً إلى الوراء.
فمنذ استيلاء نظام الإنقاذ على السلطة عام 1989، لم يكن السودان مجرد دولة منشغلة بقضاياها الداخلية.
بل أصبح لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية عديدة.
نسج النظام علاقات وثيقة مع إيران في مراحل مختلفة، واستضاف شخصيات وتنظيمات إسلامية، وأقام علاقات مع حركات مقاومة في المنطقة مثل حركة حماس، كما ارتبط اسمه في مراحل مختلفة بدعم حركات أو التأثير في الصراعات داخل عدد من دول الجوار، مثل تشاد وإثيوبيا وليبيا وغيرها.
وسواء اتفق الناس مع تلك السياسات أم اختلفوا حولها، فإنها جعلت السودان جزءاً من شبكة معقدة من التوازنات والصراعات الإقليمية.
ولذلك…
فإن سقوط عمر البشير لم يكن يعني بالضرورة انتهاء تلك الحسابات.
ثم جاءت ثورة ديسمبر.
ثم انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر.
ثم انفجرت الحرب في الخامس عشر من أبريل.
ومنذ ذلك اليوم…
لم تعد الحرب شأناً سودانياً خالصاً.
بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، لكل منها حساباته الخاصة، ولكل منها ما يخسره أو يربحه من استمرار هذه الحرب.
🛑 ليسوا جميعاً في خندقٍ واحد ‼️
إذا تجاوزنا الشعارات، ونظرنا إلى الوقائع بهدوء، فسنجد أن الصورة أكثر تعقيداً مما تُعرض به في وسائل الإعلام.
فكثيرون يختزلون الأمر في أن دولة الإمارات هي التي تدعم قوات الدعم السريع.
وربما يكون ذلك جزءاً من الصورة…
لكنه ليس الصورة كلها.
فالدعم السريع، منذ نشأته، لم يكن معزولاً عن الإقليم، ولم تكن مصادر قوته مقتصرة على مورد واحد أو على دولة واحدة.
فهناك تجارة الذهب، وشبكات التجارة عبر الحدود، والأنشطة الاقتصادية المختلفة، والعلاقات مع بعض دول الجوار، فضلاً عن موارد أخرى كثيراً ما تناولتها التقارير والتحليلات.
🧐🫵وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
أليست للدعم السريع، حتى اليوم، قوات تشارك في اليمن تحت إشراف السعودية؟‼️
وإذا كانت الإجابة نعم…
فهذا يعني أن للدعم السريع مورداً مالياً آخر ارتبط بتلك المشاركة في حرب اليمن. وهذا ما يؤكد مرة أخرى أن اختزال المشهد في طرف خارجي واحد مثل دولة الإمارات، لا يعكس حقيقة التعقيد الذي يحيط بهذه الحرب.
و الأمر لا يقف عند هذا الحد..
فالجيش السوداني نفسه يحتفظ بعلاقات ممتدة مع عدد من الدول الإقليمية والدولية، ويتلقى بدوره أشكالاً مختلفة من الدعم والتعاون بحسب ما تقتضيه مصالح تلك الدول .
وهكذا…
نجد أن كلاً من الجيش والدعم السريع يمتلك شبكة من العلاقات الخارجية.
وقد تختلف هذه العلاقات، وقد تتقاطع، وقد تتنافس، لكنها جميعاً تؤكد حقيقة واحدة:
أن الحرب لم تعد شأناً داخلياً صرفاً.
🛑 كيف تغير ميزان المعركة؟
في الأسابيع الأولى للحرب، كانت الغلبة الميدانية لقوات الدعم السريع.
فقد سيطرت بسرعة على معظم العاصمة، ثم تمددت في أجزاء واسعة من ولايات الوسط والغرب والجنوب.
وكان ذلك راجعاً، في جانب منه، إلى امتلاكها قوة مشاة كبيرة، وخفة الحركة، والقدرة على المناورة، مقارنة بجيش يعتمد بصورة أكبر على الأسلحة الثقيلة وسلاح الطيران.
وكان كثير من المراقبين يتوقعون أن يستمر هذا التمدد.
لكن ما حدث لاحقاً غيَّر المشهد بصورة واضحة..
🫵إستعاد الجيش السيطرة على مساحات واسعة من الخرطوم والجزيرة وغيرها.
لا شك أن دخول تشكيلات مسلحة متحالفة مع الجيش، ومن بينها كتائب البراء بن مالك وغيرها من القوى المساندة، كان عاملاً مؤثراً في هذا التحول.
كما أن كثيراً من المحللين يربطون هذا التحول أيضاً بزيادة مستويات الدعم العسكري واللوجستي والاستخباري الذي تلقاه الجيش من أطراف خارجية، وهو ما أسهم في تعديل ميزان القوى على الأرض..
ومهما اختلفت التفسيرات…
فإن النتيجة واحدة.
لم ينتصر أحد… ولم يُهزم أحد.
واستمرت الحرب…
وكأن هناك من لا يريد لها أن تنتهي ‼️.
🛑🧐🤔 هل هدف الجيش هو القضاء على الدعم السريع… أم إعادة إحتوائه؟
من يتابع مسار الحرب يلاحظ أن خطاب الجيش، في كثير من الأحيان، لم يكن يقوم على فكرة الإبادة الكاملة لقوات الدعم السريع.
بل ظهرت، بين الحين والآخر، دعوات للعفو، وإعلانات عن انضمام مجموعات من قادة وجنود الدعم السريع إلى صفوف الجيش، مع احتفاظ بعضهم بتشكيلاتهم، وبسلاحهم، بل وحتى بهويتهم القتالية السابقة بما في ذلك الزي الرسمي لقوات الدعم السريع .
🧐🫵وهنا يبرز سؤال مشروع:
هل الاستراتيجية النهائية للجيش هي القضاء على الدعم السريع… أم إعادة إدخاله إلى منظومة الدولة بعد تغيير قيادته؟
🤔
لا أطرح هذا السؤال باعتباره إجابة، وإنما باعتباره قراءة تستحق التأمل، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن الجيش السوداني يدرك أنه، خلال العقود الماضية، اعتمد بدرجات متفاوتة على قوات غير نظامية في عدد من الحروب.
وهذا يفسر، عند بعض المحللين، سبب تركيز الجهود على تفكيك القيادة الحالية للدعم السريع، مع السعي إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من أفراده، بدلاً من الدخول في معركة استنزاف مفتوحة حتى آخر مقاتل.
لكن، سواء صحت هذه القراءة أم لم تصح…
🫵فإن الحقيقة التي لا خلاف عليها هي أن استمرار الحرب يستهلك الجميع..
الجيش…
والدعم السريع…
والحركات المسلحة…
والقوى السياسية…
والشعب السوداني قبل الجميع..
🛑التوافق وليس الإتفاق ‼️
إذا نظرنا إلى المشهد من أعلى، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والاستقطاب السياسي، فقد نصل إلى نتيجة تستحق التأمل.
ربما لا يجلس أصحاب المصالح الإقليمية والدولية على طاولة واحدة.
وربما تختلف أهدافهم، بل وقد يتنافس بعضهم مع بعض.
لكنهم قد يلتقون -دون اتفاق مباشر- عند نتيجة واحدة:
ألا يخرج من هذه الحرب جيش سوداني قوي، ولا دولة سودانية قوية، ولا سلطة وطنية مستقرة قادرة على فرض إرادتها على كامل التراب السوداني.
فكل طرف يرى مصلحته من زاوية مختلفة.
منهم من يريد تحجيم نفوذ خصومه.
ومنهم من يريد تأمين حدوده.
ومنهم من يريد حماية استثماراته وممراته التجارية.
ومنهم من ينظر إلى الذهب، أو البحر الأحمر، أو الموقع الجغرافي، أو ملفات الهجرة، أو التوازنات العسكرية في القرن الأفريقي.
ومنهم من لا يريد عودة السودان لاعباً مؤثراً في محيطه كما كان في مراحل مختلفة من تاريخه الحديث.
وهكذا…
قد تختلف الدوافع…
لكن النتيجة واحدة.
استمرار الحرب.
🛑 لماذا يطول أمدّ الحرب؟
لأن إستمرارها ، في نظر كثير من أصحاب المصالح، يعتبر خيرٌ من حسمها.
فالجيش يستنزف.
والدعم السريع يستنزف.
والاقتصاد ينهار.
والبنية التحتية تتدمر.
والكفاءات تهاجر.
والشعب ينشغل بلقمة العيش وبالبقاء على قيد الحياة.
وفي الوقت نفسه…
تضعف قدرة السودان على التأثير في محيطه، أو حماية موارده وحدوده، أو امتلاك قرار وطني مستقل.
أما داخلياً…
فإن أطراف الصراع تكاد تكون غارقة في معركتها الخاصة.
فالجيش يخوض معركة استعادة السيطرة.
والدعم السريع يخوض معركة البقاء والنفوذ.
وجماعة ما يسمى بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني تخوض معركة العودة إلى المشهد السياسي، وقدمت الحرب لكثير من أنصارها باعتبارها معركة وجود، بل وصورها بعضهم على أنها معركة الإسلام في مواجهة القوى المدنية والسياسية التي تنادي باستكمال التحول المدني والانتقال الديمقراطي.
وفي المقابل…
تنشغل القوى المدنية بمعركتها من أجل إنهاء الحرب واستعادة المسار المدني، وهي نفسها تعاني الانقسام والتشتت وضعف القدرة على التأثير.
أما الشعب السوداني…
فقد انقسم بين هذه المعسكرات.
هذا يشجع الجيش.
وذاك يشجع الدعم السريع.
وثالث لا يرى إلا معركته الحزبية أو الأيديولوجية.
ورابع لا يجد وقتاً لشيء سوى البحث عن الطعام والدواء ومأوى لأسرته.
وفي خضم هذا كله…
غاب الوطن.
وغاب المشروع الوطني الجامع.
🛑ماهو الخطر الحقيقي؟!
في تقديري…
ليست أخطر نتائج هذه الحرب هي الدمار الذي نراه اليوم..
🫵بل أخطر نتائجها أن تصبح الحرب نفسها هي الحالة الطبيعية التي سيتعايش معها الشعب السوداني في كل مستقبله القادم ربما مائة سنة
وأن يعتاد السودانيون على وجود الجيوش المتعددة، والمليشيات، والسلاح، والخراب، والنزوح، والانقسام.
وعندها لن يكون الحديث عن إعادة بناء الدولة سهلاً.
بل قد يصبح الحديث عن تقسيم الأمر الواقع، أو مناطق النفوذ، أو اقتسام السلطة والثروة بين القوى المسلحة، هو البديل الذي يُفرض على الجميع.
وهنا تكون الخسارة أكبر من خسارة معركة.
إنها خسارة وطن 😓‼️.
📜 الخاتمة
قد يختلف الناس حول تقييم هذه الحرب.
وقد يختلفون حول مسؤولية كل طرف.
وقد يختلفون حول حجم تدخل كل دولة من الدول.
لكن هناك حقيقة يصعب إنكارها:
كل يوم إضافي من هذه الحرب لا يخدم السودان.
وكل يوم إضافي تستمر فيه هذه المأساة، يعني مزيداً من الدماء، ومزيداً من الدمار، ومزيداً من إضعاف الدولة، ومزيداً من تعقيد أي حل مستقبلي.
ولذلك…
فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني على نفسه ليس:
من أشجع؟
ولا:
من أهاجم؟
بل:
من المستفيد حقاً من استمرار هذه الحرب؟
فإذا أدرك السودانيون أن وعيهم ووحدتهم الوطنية، وإعلاء مصلحة الوطن فوق مصالح الأحزاب والجماعات والقادة، هو السلاح الحقيقي الذي يكسر دائرة الاستنزاف، فإنهم سيكونون قد خطوا الخطوة الأولى نحو استعادة دولتهم.
أما إذا ظللنا أسرى للاستقطاب، ولخطابات التعبئة والكراهية، ولتبادل الاتهامات، فإن الحرب ستستمر…
لا لأن السودانيين عاجزون عن إيقافها…
بل لأن توافق المصالح الإقليمية والدولية سيظل يجد في انقسامنا الوقود الذي يبقيها مشتعلة.
فليست المأساة أن تتقاطع مصالح الآخرين على أرض السودان…
بل المأساة الحقيقية أن يظل السودانيون، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، جزءاً من معادلة تُبقي هذه الحرب مشتعلة، بينما لا يربح منها السودان شيئاً.



