
محمد الهادي يكتب….
أسئلة ثقيلة ظلت تتردد بإلحاح في الآونة الأخيرة في أوساط السودانيين: لماذا التزمت سلطة بورتسودان الصمت إزاء الجريمة الإنسانية التي ارتكبها الطيران المصري بحق المعدنين السودانيين في شمال السودان؟ وكيف فقدت البلاد قبل ذلك مدينة وادي حلفا؟ ولماذا تخلت الخرطوم بعدها عن مثلث حلايب دون أي مواجهة سياسية أو قانونية حقيقية؟ وهل ستكون منطقة شمال الوادي وجبل العقيدات الحلقة التالية في سلسلة التنازلات؟
سؤال السيادة وبداية الإشكال
بالنظر إلى تلك الوقائع، نجد أن العامل المشترك الذي يجمع بينها، أنها حدثت في فترات حكم العسكريين في السودان. ففي عهد الفريق إبراهيم عبود أُغرقت مدينة وادي حلفا وتم تهجير أهلها لصالح بناء السد العالي في مصر، وفي عهد الرئيس السابق عمر البشير خرج مثلث حلايب فعلياً من سيادة الدولة السودانية، أما اليوم، وفي عهد القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، فقد أصبحت الطائرات المصرية تقصف المعدنين السودانيين داخل الأراضي السودانية، بينما تتوغل القوات البرية المصرية إلى عمق يتجاوز خمسين كيلومتراً داخل الحدود، من دون أن تواجه أي موقف رسمي يوازي حجم هذه الانتهاكات.
قد تبدو هذه الأحداث، في ظاهرها، متفرقة ومتباعدة زمنياً، لكنها في حقيقة الأمر فصول لقصة واحدة بدأت قبل نحو قرن من الزمان، حين وضعت القاهرة اللبنات الأولى للعلاقة التي ربطتها بالمؤسسة العسكرية السودانية، وأرست معادلة ظلّت تتحكم في جانب كبير من توجهات الدولة السودانية حتى يومنا هذا.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا ارتبطت أخطر التنازلات المتعلقة بالسيادة السودانية بفترات الحكم العسكري؟ وما الذي جعل المؤسسة العسكرية تلسودانية أكثر ميلاً إلى التساهل مع القاهرة في قضايا تمس جوهر السيادة الوطنية؟.
يقوم هذه المقال على فرضية مفادها أن النفوذ المصري في السودان ليس نفوذاً سياسياً ظرفياً ارتبط بالحكومات أو بتبدل الأنظمة، وإنما نفوذاً مؤسسياً تشكل داخل الجيش السوداني. فمنذ نشأة المؤسسة العسكرية، مروراً بتكوين نخبتها القيادية، وصولاً إلى عقيدتها القتالية وتعليمها العسكري، قد ظلت القاهرة تبني نفوذها عبر المؤسسة الأكثر استقراراً في الدولة السودانية. ولهذا، كلما تبدلت الحكومات، بقيت العلاقة بين الجيشين هي الثابت الذي أعاد إنتاج الحضور المصري في السودان.
النشأة في ظل بيئة استعمارية
ولفهم طبيعة هذا التساهل السوداني الغريب في الملفات ذات الطابع السيادي، لا بد من العودة إلى ما قبل الاستقلال، وتحديداً إلى عام 1925 في سياق تأسيس قوات دفاع السودان في ظل الحكم الثنائي. فقد نشأت البنية الأولى للمؤسسة العسكرية السودانية داخل بيئة استعمارية كانت فيها الإدارة العسكرية والإشراف الفني خاضعين للخبرة البريطانية، بينما ظلت مصر حاضرة بوصفها طرفاً في إدارة المجال السوداني. وقد انعكس هذا الارتباط المبكر على طبيعة النخبة العسكرية التي تشكلت لاحقاً، وقد ظهر أثر ذلك في أساليب التدريب، وبنية القيادة، وبرامج تأهيل الضباط التي استمرت بعد الاستقلال. إذ ورثت بنية تنظيمية وتعليمية لم تنقطع صلتها بالبيئة العسكرية المصرية، ما أسس منذ البداية لحالة من التشابك المؤسسي ظل يتطور ويتعمق حتى ما بعد الاستقلال، وأصبح لاحقاً أحد المفاتيح لفهم طبيعة العلاقة بين الجيش السوداني ومصر.
لكن الإرث الذي خلفته مرحلة التأسيس لم يبقَ في شكل موروث تاريخي داخل المؤسسة العسكرية السودانية، إذ انتقل إلى الجيل الأول من قادتها بعد الاستقلال. فقد ورث هؤلاء الضباط منظومة عسكرية تشكلت في بيئة وثيقة الصلة بمصر، وحملوا معهم كثيراً من مفاهيمها المهنية والاستراتيجية، وهذا ما جعل العلاقة بين الجيشين تدخل مرحلة جديدة مع وصول هذه النخبة إلى مواقع القيادة وصنع القرار.
القادة العسكريون وتعميق الشراكة المؤسسية مع مصر
كان الفريق إبراهيم عبود أبرز رموز الجيل الأول من الضباط الذين تولوا قيادة المؤسسة العسكرية بعد الاستقلال، وقد حمل هذا الجيل معه الإرث التنظيمي الذي تشكل خلال فترة الحكم الثنائي، واستمر في تطويره داخل الدولة السودانية الجديدة دون قطيعة كاملة مع بيئة النشأة الأولى.
ومع وصول عبود إلى السلطة في نوفمبر 1958، انتقلت العلاقة العسكرية بين الخرطوم والقاهرة من إطار الروابط التاريخية إلى مستوى أوضح من التعاون الرسمي بين الدولتين. فقد وجد نظام عبود في مصر شريكاً رئيسياً في القضايا الأمنية والاستراتيجية، بينما رأت القاهرة في المؤسسة العسكرية السودانية الضامن الأكثر استقراراً لحماية مصالحها في وادي النيل، ولا سيما ما يتعلق بأمن الحدود وقضايا المياه.
وشهدت حقبة الرئيس جعفر نميري توسعاً إضافياً في هذا المسار، إذ اتخذ التعاون بين المؤسستين العسكريتين طابعاً أكثر انتظاماً في ظل تقارب سياسي وإقليمي بين البلدين. وأسهم ذلك في ترسيخ العلاقة العسكرية بوصفها أحد أكثر مسارات التواصل استقراراً، حتى مع تغير التحالفات والظروف السياسية التي أحاطت بكل مرحلة.
ولم يقتصر هذا التحول على التنسيق العسكري المباشر، فقد أسهم في إدخال العلاقة بين المؤسستين ضمن منظومة التعاون الرسمي بين الدولتين، فأصبحت المؤسسة العسكرية إحدى أهم قنوات إدارة العلاقة المصرية السودانية، حتى في الفترات التي شهدت فيها العلاقات السياسية قدراً من التذبذب.
ولم يتوقف هذا النمط بانتهاء عهد عبود، بل استمر، بدرجات متفاوتة، في عهد جعفر نميري ثم خلال الفترة الانتقالية بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب. فعلى الرغم من التحولات السياسية التي شهدها السودان، ظلت المؤسسة العسكرية تحتفظ بقنوات تعاون وتواصل مع نظيرتها المصرية، بما يعكس أن العلاقات بين الجيشين كانت أعمق من أن تتأثر بتغير الحكومات أو تبدل التحالفات السياسية. وقد بلغ هذا الإرث المؤسسي مرحلة جديدة في عهد عمر البشير، حيث شهدت العلاقة فترات من التباين السياسي، لكنها لم تصل إلى حد القطيعة العسكرية.
فعلى الرغم من التوترات السياسية التي طبعت العلاقات بين البلدين خلال فترة حكم الرئيس عمر البشير، وما صاحبها من تباينات أيديولوجية وخلافات حول عدد من الملفات الإقليمية، فإن قنوات التواصل بين المؤسستين العسكريتين لم تنقطع، بل استمرت عبر مسارات التدريب والتأهيل والتنسيق المهني. وقد تجلى ذلك، على سبيل المثال، في استمرار بعض برامج التدريب العسكري والتواصل بين القيادات الوسطى في المؤسستين، بما عكس طابعاً مؤسسياً للعلاقة تجاوز مستوى الخلافات السياسية بين الحكومتين.
ولعل أكبر اختبار لهذه العلاقة جاء بعد ثورة ديسمبر 2018، حين سقط نظام عمر البشير، بينما بقيت المؤسسة العسكرية في قلب السلطة الانتقالية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان. ففي الوقت الذي شهدت فيه الساحة السياسية السودانية تغيرات جذرية، حافظت القاهرة على رهانها التقليدي على المؤسسة العسكرية، وتعاملت معها باعتبارها الضامن الأكثر موثوقية لاستمرار نفوذها وحماية المصالح المشتركة. ولم يكن ذلك تحولاً جديداً في السياسة المصرية، بقدر ما كان امتداداً لنهج استقر عبر عقود، يقوم على أن الجيش السوداني هو الشريك الاستراتيجي الأول لمصر في السودان. وقد أعادت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 تأكيد هذا التوجه، إذ انحاز الدعم السياسي والعسكري المصري بصورة واضحة إلى قيادة الجيش، بما عكس استمرار الرؤية المصرية للمؤسسة العسكرية باعتبارها الركيزة الأساسية لنفوذها في السودان.
البنية المؤسسية للعلاقة
استمرار النفوذ المصري داخل المؤسسة العسكرية السودانية لم يقم نتيجة لتحالفات سياسية ظرفية، إذ استند إلى بنية مؤسسية تراكمت عبر سنوات طويلة، جعلت العلاقة بين الجيشين أكثر ثباتاً من العلاقات بين الحكومات، وقد تشكلت هذه البنية من ثلاثة مكونات رئيسية: النخب العسكرية، والعقيدة العسكرية، والتعليم والتأهيل العسكري، والتي أفرزت مع مرور الزمن شبكات مهنية ومؤسسية حافظت على استقرار العلاقة بين الجيشين.
وقد تجسدت هذه البنية في أجيال متعاقبة من كبار الضباط السودانيين الذين ارتبط جانب من تكوينهم المهني بالمؤسسة العسكرية المصرية.
1. النخب العسكرية
فقد ظل ابتعاث الضباط السودانيين إلى الكليات والمعاهد العسكرية المصرية توجهاً ثابتاً منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال، الأمر الذي أسهم في تكوين لغة مهنية مشتركة وعلاقات مؤسسية ممتدة بين القيادات العسكرية في البلدين. وبرز هذا النهج في مسيرة عدد من كبار القادة، مثل الفريق إبراهيم عبود، والفريق أحمد عبد الوهاب، والفريق خالد حسن عباس، ثم لاحقاً المشير عبد الرحمن سوار الذهب، كما تشير تقارير منشورة إلى أن الفريق عبد الفتاح البرهان تلقى جانباً من تأهيله العسكري في مصر والأردن. ولا يعني ذلك أن قرارات هؤلاء القادة كانت تُصنع في القاهرة، وإنما يدل على استمرارية قنوات التأهيل والتواصل المهني التي ظلت قائمة عبر أجيال متعاقبة.
2. العقيدة العسكرية
وعلى المستوى الفكري، وفرت العقيدة العسكرية إطاراً مرجعياً متقارباً في فهم القضايا الأمنية، وتعريف مصادر التهديد، وتقدير الأولويات الاستراتيجية، وذلك بحسب منظور الأمن القومي المصري، خاصة في ما يتعلق بأمن وادي النيل والبيئة الإقليمية المحيطة. وأسهم هذا التقارب في تكوين مساحات إدراك مشتركة تجاه عدد من القضايا الإقليمية، مثل أمن وادي النيل، وسد النهضة، وأمن البحر الأحمر، بما جعل الرؤى الاستراتيجية للمؤسستين تتقاطع في كثير من الأحيان.
3. التعليم العسكري
أما التعليم والتأهيل العسكري، فقد مثّل الآلية العملية لترسيخ هذه المرجعيات داخل أجيال الضباط. فلم يقتصر دوره على نقل المهارات العسكرية، بل شمل برامج إعداد القادة، ودورات الأركان، والتعليم الاستراتيجي بكلية القادة والأركان، واكاديمية ناصر، وهي المراحل التي تتشكل خلالها تصورات الضابط حول الأمن القومي وإدارة الصراع. ومن خلال هذا المسار الطويل، نشأت شبكات من العلاقات المهنية والشخصية بين القيادات العسكرية، أصبحت أكثر استقراراً من التحالفات السياسية، لأنها تستند إلى تراكم الخبرة والثقة المؤسسية.
ومن تفاعل هذه العناصر الثلاثة تشكلت البنية المؤسسية التي منحت العلاقة بين الجيشين درجة عالية من الاستمرارية، وجعلتها إحدى أكثر أدوات النفوذ المصري رسوخاً داخل السودان، وأكثرها قدرة على تجاوز التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. والمقصود بالنفوذ هنا ليس السيطرة المباشرة أو التبعية، وإنما القدرة على التأثير في التصورات والخيارات الاستراتيجية لصانع القرار العسكري في الخرطوم.
المحصلة النهائية
تكشف هذه القراءة أن النفوذ المصري داخل المؤسسة العسكرية السودانية كان حصيلة تطور تاريخي طويل بدأ منذ تأسيس الجيش، وتطور عبر العقيدة العسكرية، والتعليم، وشبكات العلاقات المهنية، حتى أصبح جزءاً من بنيتها الداخلية. ومن ثم، فإن فهم كثير من مواقف قادة المؤسسة العسكرية تجاه مصر لا يكتمل بالنظر إلى الأحداث الراهنة وحدها، إنما يقتضي قراءة هذا الإرث المؤسسي المتراكم. ومن هذا المنظور، فإن السؤال الحقيقي لم يعد لماذا تتكرر هذه الوقائع، بل كيف يمكن لدولة تسعى إلى حماية سيادتها أن تعيد بناء مؤسسة عسكرية تستند في عقيدتها ومرجعياتها إلى أولويات الدولة السودانية وحدها. فهناك تبدأ الإجابة، وهناك أيضاً يبدأ النقاش حول مستقبل السيادة السودانية.



