
د. بكري_الحلنقي يكتب :
إذا أردت التخلص من الأعشاب الضارة في مزرعتك، فلن تنجح بمجرد قصها أو إزالة ما يظهر منها فوق سطح الأرض. فما دامت الجذور باقية، فإنها ستعود لتنمو من جديد، وربما بصورة أقوى وأكثر انتشاراً. فالمشكلة ليست فيما نراه، بل فيما يختبئ تحت التربة.
والحل الحقيقي هو اقتلاع الجذور. لكن عندما تُترك الأعشاب الضارة لعقود حتى تغزو الأرض كلها، يصبح اقتلاعها نبتةً نبتة مهمة شبه مستحيلة. تتشابك الجذور، وتتعمق في التربة، ويختلط النافع بالضار حتى يصعب الفصل بينهما. عندها لا يبقى أمام المزارع إلا حل يبدو قاسياً، لكنه في الحقيقة الأسرع والأكثر فاعلية: إزالة الطبقة السطحية من التربة، وإعادة تهيئتها، ثم زراعة عشب جديد سليم. إنها بداية مؤلمة، لكنها تمنح الأرض فرصة جديدة للحياة.
وربما يكون واقع المؤسسة العسكرية في السودان اليوم أشبه بتلك المزرعة. فبعد عقود من الانقلابات، والحروب الأهلية، وتحزيب القوات النظامية، وتكاثر المليشيات، أصبحت الأزمة بنيوية، ولم يعد الإصلاح الجزئي أو تغيير القيادات كافياً.كنا نأمل منذ الاستقلال أن يكون الجيش مؤسسة وطنية مهمتها حماية الحدود والدفاع عن سيادة البلاد، لكن الواقع لا يزال يسير في اتجاه مختلف. فقد انشغل الجيش بالصراعات السياسية السيادية الداخلية والتفةحول المظاهرات وشرع الانقلابات لإدارة الحكم أكثر من انشغاله بحماية الحدود، بينما بقيت أجزاء من الحدود محل نزاع أو اختراق، وكانت البنادق تُوجَّه في معظم الأحيان إلى الداخل لا إلى الخارج. ثم جاءت الحرب الأخيرة لتضاعف الأزمة، مع ظهور مليشيات متعددة ومراكز قوة متنافسة، حتى أصبح السودان يعيش عملياً في ظل تعدد الجيوش.
لهذا، فإن السودان يحتاج اليوم إلى دولة مؤسسات خدمية، لا إلى دولة مليشيات عسكرية. يحتاج إلى شرطة مهنية، وقضاء مستقل، وخدمة مدنية كفؤة، وتعليم وصحة وإنتاج، أكثر من حاجته إلى المزيد من التشكيلات المسلحة.
ومن هذا المنطلق، فإن المقترح هو تحويل المؤسسة العسكرية الحالية إلى جهاز شرطي خدمي يخضع للسلطة المدنية، مع نزع سلاح جميع المليشيات ضمنا وتحويل أفرادها إلى قوة إنتاج وخدمة عامة تساهم في حماية المرافق، والإنتاج الزراعي، والدفاع المدني، وإعادة إعمار البلاد..ولعل هذا الخيار أكثر وضوحاً وأقل كلفة من مشروعات الدمج والتسريح وإعادة الإدماج التي تُطرح باعتبارها طريقاً للسلام، لأنها تسعى إلى دمج قوى نشأت في ظل الحرب داخل مؤسسات الدولة العميقة نفسها، كما أن هذه البرامج تحتاج إلى سنوات طويلة وموارد ضخمة، في حين يحتاج السودان إلى استعادة الدولة بأسرع وقت.
او لنعتبرها فترة انتقالية لاعادة بناء الجيش، يحرم فبها السلاح و يمكن للسودان أن يعتمد على شرطة محترفة، وأن يستفيد من منظومات الأمن والقانون الدولية والإقليمية، ومن اتفاقيات دفاع وأمن معلنة وشفافة مع دول الجوار، إلى أن يكتمل بناء مؤسساته العسكرية والقانونية الجديدة. فالمهم هو أن تكون هذه الترتيبات معلنة وخاضعة للقانون، لا رهينة تفاهمات غامضة أو موازين قوة مؤقتة.
لقد عاش السودان أكثر من ستين عاماً بحكم عسكري تحت تأثير الانقلابات وتكاثر المليشيات، ولم يحصد سوى الحرب والانقسام وتعطيل بناء الدولة.وربما آن الأوان لتجربة طريق مختلف؛ طريق الدولة المدنية الكاملة التي تحتكر وحدها القوة المشروعة، وتقوم على مؤسسات خدمية فعالة، بدون جيش حتى يكون في المستقبل الجيش فيها ـ إذا أُعيد بناؤه ـ مؤسسة وطنية مهنية تحمي الحدود فقط، بينما تبقى السيادة للشعب، والسلطة للدستور، والقانون فوق الجميع.
ومن المهم في هذا السياق أن يدرس السودان تجارب الدول التي اختارت بناء الدولة بعيداً عن عسكرة المجتمع، وعلى رأسها تجربة كوستاريكا التي ألغت جيشها الدائم عام 1948، ووجهت مواردها نحو بناء مؤسسات التعليم والصحة والتنمية، مع الاعتماد على منظومات أمنية ودبلوماسية لحماية سيادتها. قد لا تكون التجربة قابلة للنقل كما هي إلى السودان، لكن مجرد دراستها يفتح الباب أمام التفكير في نماذج جديدة للأمن الوطني، تجعل قوة الدولة في مؤسساتها وخدماتها واستقرارها، لا في حجم ترسانتها العسكرية فقط.



