
في ظروف غامضة وعلى نحو مفاجئ، اقتحمت قوى مدججة بالسلاح مقر إقامة المحامي والناشط الحقوقي محمد عز الدين في مدينة بورتسودان، واقتادته إلى مكان مجهول، وظل عز الدين قيد الاعتقال داخل سجون سرية منذ العاشر من مايو من العام الماضي، في اختفاء قسري، بعيداً عن أسرته التي ظلت في رحلة بحث عنه في جميع الوحدات العسكرية دون جدوى.
يحدث ذلك في بلد تعاني من تكاثر المليشيات وتناسلها بدعوى مساندة الجيش، فيما تمارس أبشع أنواع الانتهاكات ضد المدنيين أمام مرأى ومسمع القوات النظامية، التي تشرعن أفعال المليشيات وتقدم لها كل ما يلزم من مساعدات لوجستية لضرب الصوت المدني الحر وإسكاته وإذلال المدنيين، تمهيداً لتهيئة الظروف لحكم عسكري شمولي.
العمل الخاص
القوة التي اقتحمت منزل المحامي اتضح لاحقاً أنها تتبع لـ “قوات العمل الخاص”، وتتكون عناصرها وضباطها من الكيان العسكري للإخوان المسلمين المتغلغل داخل أجهزة الأمن، وبمساندة قوة من الاستخبارات العسكرية، اعتقلت المحامي محمد عز الدين وأودعته زنزانة سرية لشهور طويلة دون أن تدون ضده بلاغات أو تطلق سراحه، وسط معلومات عن تعرضه للتعذيب والمعاملة غير الإنسانية.
وظلت هذه القوة تنفي صلتها بالاعتقال وتتنكر للواقع، حتى ظهر محمد بعد أكثر من عام أمام نيابة أمن الدولة ببورتسودان، تحمله سيارات دفع رباعي تتبع للخلية الأمنية، سيئة الذكر والجناح العسكري للحركة الإسلامية الإرهابية، قبل أن يتم تدوين بلاغات ضده.
وروى شهود عيان أن محمد عز الدين ظهر أمام النيابة وتبدو عليه علامات التعب والإرهاق، حيث تعرض للتعذيب والصعق الكهربائي والضرب المبرح – وفقاً لحديث مصادر، في صورة أعادت إلى الأذهان الانتهاكات التي كانت ترتكبها كتائب الإخوان المسلمين في تسعينات القرن الماضي ضد خصومهم السياسيين والمعارضين المدنيين داخل “بيوت الأشباح”.
تلفيق البلاغات
ويواجه محمد بلاغات المواد الخطرة في القانون الجنائي السوداني، حيث دونت في مواجهته بلاغات تتعلق بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة والمعاونة، وهي بلاغات تصل عقوبتها إلى الإعدام والسجن المؤبد على أقل تقدير.
بالإضافة إلى مواد متعلقة بقانون جرائم المعلوماتية مثل المادتين 24 و 26، وكذلك المادة 12 من قانون الطوارئ بولاية البحر الأحمر. وكل هذه الاتهامات فقط لأن محمداً رفع صوته عالياً ضد استمرار الحرب وطالب بإيقافها داخل مدينة بورتسودان، وهو يعاني في الأساس من مرض السكر وارتفاع الدهون.
إسكات الصوت المدني
وقالت المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان في السودان، شيماء تاج السر، لـ “صحيح السودان” إن أفعال وممارسات السلطات الأمنية في مدينة بورتسودان في حق محمد عز الدين ممارسات غير مشروعة، حيث تعرض للاعتقال دون أي تهم في مواجهته من النيابة العامة، ومكث في السجن أكثر من عام وسط تعرضه للتعذيب والحرمان من الأدوية وانتهاكات جسيمة، من غير أن يرتكب أي جريمة سوى أنه كان يقول “لا للحرب”.
وأضافت “المحكمة حددت جلسة يوم 27 من الشهر الجاري، نتمنى أن تكون المحاكمة عادلة مع تشديد الرقابة عليها، وناشدت كل المهتمين والمنظمات الحقوقية والدولية والإعلام لمساندة القضية لتحقيق المحاكمة العادلة”.
وفي الأثناء، أطلق ناشطون حقوقيون وسياسيون ومنظمات مجتمع مدني حملة واسعة للتضامن مع المحامي محمد عز الدين. ودعت الحملة قطاعات الشعب السوداني للتضامن مع القضية العادلة، وناشدت بمتابعة جلسات المحاكمة ومراقبتها حتى لا يتم التأثير على سير إجراءاتها.
وتبدأ أولى جلسات محاكمة المحامي محمد عز الدين يوم 27 من الشهر الجاري داخل مدينة بورتسودان، في ظروف يعاني فيها القضاء السوداني من أزمة حياد ونزاهة نتيجة تأثير السلطة الانقلابية عليه، بينما يواجه محمد تهماً خطيرة تصل عقوبتها إلى الإعدام.



