
عبد الكريم البليخ
«البيت الذي تُمارس فيه الدجاجة عمل الديك، يحلّ فيه الخراب».
عبارة دارجة ذات حمولة رمزية ثقيلة، تختصر تصوّراً تقليدياً للأدوار بين الرجل والمرأة داخل الأسرة، لكنها، في الوقت نفسه، تفتح باباً واسعاً للتساؤل: متى يصبح تغيّر الأدوار خراباً، ومتى يكون ضرورة اجتماعية تفرضها الحياة؟ وهل الخراب يكمن حقاً في التبدّل، أم في الجمود الرافض لكل تبدّل، وفي الإصرار على إبقاء العلاقات الإنسانية داخل قوالب قديمة، لم تعد قادرة على استيعاب التحوّلات التي أصابت المجتمع والأسرة معاً؟
في البناء الاجتماعي التقليدي، يُسند إلى الرجل دور القيادة والحماية والإنفاق، فيما تُوكَل إلى المرأة مهمّة الرعاية والاحتضان العاطفي وتدبير شؤون البيت. وهذا التوزيع لم ينشأ من فراغ، بل كان ـ في زمن سابق ـ تعبيراً عن واقع اجتماعي واقتصادي قائم على تفاوت الفرص والقوى، وعلى محدودية حضور المرأة في التعليم والعمل والحياة العامة. غير أن التحوّلات الاجتماعية الكبرى، وانتشار التعليم، وتبدّل ظروف المعيشة، وتراجع القدرة الاقتصادية للرجل في كثير من البيوت، دفعت النساء إلى المشاركة الفاعلة في الإعالة والإدارة واتخاذ القرار.
وفي كثير من البيوت، لم تعد المرأة شريكاً ثانوياً ينتظر التوجيه، بل أصبحت عماداً أساسياً في الأسرة، تسهم في الإنفاق، وتتحمّل مسؤولية الأبناء، وتواجه الأزمات، وتدير التفاصيل اليومية بثبات وصبر. ووجدنا «الدجاجة» تضطر ـ لا اختياراً ولا رغبة في سلب الدور ـ إلى القيام بعمل «الديك»؛ لأن الغياب أو الضعف أو العجز أو التخلّي فرض عليها ذلك.
هنا، لا يكون «الخراب» نتيجة لصيحة الدجاجة، بل لسكوت الديك، أو لتراجعه عن مسؤولياته، أو لعجز النظام الاجتماعي عن قبول التوازن الجديد. فالمرأة لا تتقدّم دائماً رغبة في السيطرة، بل قد تجد نفسها أمام فراغ لا بدّ من ملئه، وأمام أسرة لا يمكن تركها بلا حماية أو توجيه أو مورد رزق. وعندما تفعل ذلك، لا ينبغي أن تُحاكَم لأنها قامت بما عجز عنه غيرها.
على المستوى النفسي، ترتبط الأدوار الأسرية بالهوية الفردية وبالصورة التي يحملها كل طرف عن نفسه. فحين يختلّ هذا التوازن دون توافق داخلي أو تفاهم متبادل، يظهر الاحتقان والاضطراب. الرجل الذي يشعر بأن سلطته انتُزعت منه، والمرأة التي تُثقَل فوق طاقتها، كلاهما يعيش توتراً نفسياً خفياً قد يتحوّل مع الوقت إلى صراع دائم أو نفور أو قطيعة.
ولذلك، ليس الخطر في تبادل الأدوار، بل في غياب الحوار والتقدير المتبادل، وفي تحويل العلاقة الزوجية إلى ساحة لإثبات القوة. كما يكمن الخطر في تحميل كل طرف ما لا يحتمله بنيانه العاطفي أو العقلي، وفي إصرار أحدهما على الاحتفاظ بسلطة شكلية لا يقابلها عطاء أو تحمّل للمسؤولية.
الأسرة السليمة لا تُبنى على الصياح، بل على التفاهم والتكافل، بغضّ النظر عمّن «يصيح». وهي لا تستقيم بمنطق الغالب والمغلوب، بل بروح الشراكة، حيث يُكمّل كل طرف الآخر، ويتقدّم من يستطيع حين يعجز الآخر، من دون أن يتحوّل ذلك إلى إهانة أو تقليل من القيمة.
وفي الخطاب الديني، كثيراً ما تُستخدم القوامة الذكورية حجّةً لضبط العلاقة الأسرية، وأحياناً لتبرير الهيمنة والإقصاء. لكن القوامة، كما في الأصل القرآني، ليست تسلّطاً، بل مسؤولية رعاية وإنفاق وعدل: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا». فإن انتفت هذه المعايير، سقط الادعاء بالقوامة، ولم يبقَ منها سوى اسم يُستخدم لحماية امتيازات لا تستند إلى فعل أو مسؤولية.
المرأة التي تعيل وتحمي وتوجّه وتتحمّل أعباء الحياة، لا يُنكَر حقُّها في المشاركة في القرار الأسري، بل تستحق شراكة تكريمية، لا إدانة تهميشية. كما أن الرجل الذي يؤدي واجبه بحبّ وعدل لا يحتاج إلى فرض سلطته بالصوت المرتفع، لأن حضوره يُقاس بالفعل لا بالضجيج.
فلا الديك ديكٌ لمجرد صياحه، ولا الدجاجة دجاجةٌ إن خَفضت صوتها. الأدوار لا تُمنَح بالأسماء، بل تُكتسب بالقدرة والمسؤولية والوفاء.
ليست الكارثة في أن تتبدّل الأصوات، بل في أن يُنكر المجتمع على المرأة أهليتها للقرار لمجرد أنها وُلدت أنثى. وربما يحلّ الخراب الحقيقي حين يُقاس النظام الأسري بصياح الطيور، لا بعقل الإنسان وعدله ورحمته.



