الأعمدة

متى نتوقف عن تجريب الفشل؟

بقلم/ إيهاب الأمين
اختيار الحاكم ليس مِنّة تُمنح، ولا تفضّلاً من جهة ، ولا هدية ننتظرها من فوهة بندقية؛ بل هو أبسط حقوق الشعوب، ولبُّ حرية الإنسان، وأصل كرامته.
لكننا في أفريقيا، وفي السودان تحديداً، نعاني من مرض عضال اسمه الاستسهال حيث ظل شعبنا يظن أن الحكم العسكري حل سحري، ليكتشف كل مرة أنه وهم فيثور عليه، ولكن تظل الساقية تدور ويعاد المسلسل باختلافات طفيفة في كل مرة. استمرار معاناتنا من العسكر لا يعني أن القدر محتوم، بل يعني أن هناك احتياجاً للوعي وتغييباً للإدراك، لقد آن الأوان لتدرك الجماهير أن محاربة الحكم العسكري يجب أن تكون مبدأً راسخاً لا يتجزأ وليس تجربة نكررها كل مرة ونخادع انفسنا بها.
وفي السودان، لا نحتاج إلى عناء الإثبات؛ فالسجل حافل، وكل حكومة عسكرية جاءت بانقلاب، أثبتت فشلها الذريع، وانتهت بها الحال إلى أن يثور عليها الشعب ويسقطها، فلماذا نكرر تجربة ثبت فشلها؟ ولماذا نعود إلى مربع الصفر كل مرة؟ العقل السليم يقول إن ما جربناه وخبرناه يجب ألا نحاول تجربته مرة أخرى، والحكم العسكري على مدى التأريخ لم يبنِ وطناً، بل بنى ثكنات، ولم يصنع شعباً يشارك، بل صنع رعيةً تنقاد.
دعونا نقارن ببساطة فالعقل لا يُخطئ إذا وضعت الأمور في نصابها، الحاكم العسكري يعلم يقيناً أنه لا يملك شرعية شعبية، لذا يدافع عن كرسيه بـالسلاح، أدواته معروفة ومكررة الاعتقال، التعذيب، المحسوبية، وكتم الأفواه. هو لا يحكمك لخدمتك، بل ليُثبت لك أنك لا تملك حق قول لا، كرسيه مبني على الخوف، فهو يحول الوطن إلى سجن كبير، والمواطن إلى رقم في ملف أمني.
أما الحاكم المدني المنتخب فهو يعلم أن كرسيه مؤقت، وأن بقاءه مرهون برضاك، هو لا يملك دبابات تحميه من غضبك، بل سيقدم لك التنمية، العدالة، المساواة، ولا يحرمك حرية الرأي، هو يحكمك ليقنعك، ويخدمك لتعيد انتخابه. سلاحه هو الإنجاز، ودرعه هو القانون.
شتان بين من يقنعك بعدالته فتمنحه صوتك، وبين من يرهبك بالقوة ويمارس عليك التخويف فتمنحه صمتك!..
شتان بين من يبني وطناً بالمشاريع، وبين من يحمي عرشاً بالاعتقالات!
الأول يسألك هل خدمتك؟ لتجيبه بـصندوق الاقتراع.
والثاني يسألك هل خفتني؟ لتجيبه بـصمت القبور.
إن العودة للحكم العسكري، أو التهاون معه، هي انتحار سياسي، وتراجع عن أبسط حقوقنا التي دُفعت ثمنها دماءً وأعماراً. الوعي الحقيقي هو أن تدرك أن المنقذ العسكري هو نفسه المدمر الذي ستثور عليه غداً.
فلنجعل من رفضنا للعسكر مبدأً لا يقبل المساومة لا تجربة جديدة، ولا مغامرات معلومة العواقب من خلال تجاربنا المتكررة مع الحكم العسكري.
المستقبل لا يُصنع بالدبابات التي تسحق، بل بالصناديق التي تختار، واختيار الحاكم حقك الأصيل، فلا تدعه يُسلب منك بـالانقلابات أو التخويف أو الوعود أو كراهية من فاز عن طريق الانتخاب، يفوز اليوم من يفوز وغداً يفوز من تريده أنت، واطلب دائماً حقك في أن تختار من يحكمك لتنال الحرية والعدالة والمساواة.
إضافة صغيرة لا يخدعك من يدعي أن الحكومات الانقلابية هي مدنية وليست عسكرية بناء على وجود رئيس وزراء مدني ووزراء مدنيين، لأنهم في كل الأحوال ينفذون قرار من قام بتعيينهم وهو العسكري قائد الانقلاب، فهو الحاكم الفعلي مهما امتدت مخادعاته.

زر الذهاب إلى الأعلى