الأعمدة

لا تنتظروا من هذه الحرب… ما انتظره أهل دارفور منذ أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً‼️

محمد الفاتح حضرة
كل قائد حرب…
يبدأ بالشعار نفسه:-
رفع الظلم…
إنهاء التهميش…
الدفاع عن الكرامة…
إنقاذ الوطن…
ثم يطلب من الناس شيئاً واحداً…
اصبروا… فالنصر قريب.
قبل أكثر من خمسةٍ وعشرين سنةً…
صدق كثير من أهل دارفور هذا الوعد..
حين قالت لهم الحركات المسلحة:
اصبروا…
احملوا السلاح…
قدّموا أبناءكم…
ضحّوا…
وبعد النصر ستعود القرى…
وسيعود المزارعون إلى حقولهم…
وسيعود الرعاة إلى مراعيهم…
وسينتهي التهميش إلى الأبد.
فماذا كانت النتيجة؟
بعد ربع قرن…
لا تزال آلاف القرى مهجورة في دارفور …
ولا تزال معسكرات النازحين قائمة…
ولا يزال ملايين المواطنين ينتظرون العودة إلى ديارهم…
بل إن أجيالاً كاملة وُلدت في معسكرات النزوح، وكبرت فيها، ولم تعرف من الوطن إلا الخيام، وصفوف الإغاثة، وإنتظار المساعدات الإنسانية.
وأما قادة حركات دارفور أولائك الذين وعدوا الناس بذلك المستقبل الأزهر…
فقد تغيّر حال كثيرٍ منهم.
دخلوا السلطة…
وأصبحوا وزراء…
وكبار مسؤولين…
وتغيّرت حياتهم…
أما المواطن الذي قيل إن السلاح رُفع من أجله…
فما زال ينتظر.
واليوم.. لا أتحدث عن دارفور وحدها…
بل عن ظاهرة سياسية تكررت في أكثر من مكان.
ففي دراسات الصراعات وبناء الدولة، يلاحظ الباحثون أن بعض الحركات المسلحة تبدأ وهي ترفع شعارات عادلة، لكنها بعد امتلاك القوة أو المشاركة في السلطة تتحول تدريجياً إلى نخبة جديدة، يصبح همها المحافظة على النفوذ والموارد أكثر من معالجة القضية التي نشأت بإسمها.
وعندها، يتحسن حال القيادات…
بينما يبقى المواطن في المكان نفسه…
أو ينتقل إلى حالٍ أسوأ.
ولهذا فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي حركة، أو أي سلطة، ليس جمال الشعارات…
ولا كثرة الخطب…
ولا عدد البنادق…
🧐🫵بل سؤال واحد:
كيف أصبح حال المواطن الذي قيل إن الحرب قامت من أجله؟

لكن المأساة لم تتوقف عند دارفور…
بل انتقلت الفكرة نفسها إلى السودان كله.
فكرة أن البندقية هي أقصر طريق إلى السلطة…
وأن الحرب يمكن أن تبني الدولة…
وأن الحسم العسكري سيصنع المستقبل.
من بعد ثورة ديسمبر وبزوغ الأمل..
جاء إنقلاب 25 أكتوبر 2021م…
أعلن قادة الجيش وقادة الدعم السريع أنهم قرروا لأجل المواطن: الإستيلاء علي السلطة والحكم ‼️
ولم يسمع السودانيون مشروعاً وطنياً واضحاً لما بعد الإنقلاب..
صارت البندقية هي الحاكم.
ثم إنفجر الخلاف بين شركاء ذلك الإنقلاب…
وبدأ إستعراض القوة ..
ثم أندلعت حرب 15 أبريل 2023م.
وعادت الشعارات القديمة نفسها…
والوعود نفسها…
والحديث نفسه عن الحسم القريب.
وعاد الشعب، مرةً أخرى، إلى الإنتظار..
ينتظر النصر…
وينتظر الإعمار…
وينتظر العدالة…
وينتظر الدولة الجديدة.
أتذكر جيداً هتاف شباب ثورة ديسمبر:
“يا عنصري ومغرور… كل البلد دارفور.”

كان ذلك يومها شعاراً للتضامن مع دارفور.
🫵أما اليوم…
فقد صار وصفاً مؤلماً لواقع السودان..
نزوح…
ولجوء…
ومدن مدمرة…
وقرى خالية…
وإنهيار للخدمات…
وملايين ينتظرون الغذاء والدواء والمأوى.
لقد أصبحت كثير من أجزاء السودان تعيش ذات المأساة التي عاشتها دارفور سنواتٍ طويلة.
ولهذا…
أشعر بالحزن عندما أرى بعض السودانيين يرددون اليوم ما كان يُردد قبل خمسةٍ وعشرين عاماً:
اصبروا… النصر قريب ‼️
لقد سمع أهل دارفور هذه العبارة سنواتٍ طويلة…
وما زال كثير منهم ينتظر.
ظلوا يسمعونها مرةً بعد مرة…
وكانت النتيجة أن ازداد حال المواطن سوءاً…
بينما تحسن حال القيادات وعائلاتهم .
هل يريد بقية السودانيين أن يسلكوا الطريق نفسه…
ثم ينتظروا النتيجة نفسها؟
إن أخطر ما في الحروب ليس عدد القتلى وحده…
بل أنها، كلما طالت، أصبحت هي نفسها صناعةً قائمة.
تضعف الدولة…
وتضعف مؤسساتها…
وتزداد أعداد حملة السلاح…
وتظهر جماعات جديدة…
وتصبح الفوضى بيئةً جاذبة لكل من يرى في السلاح وسيلةً للنفوذ أو الكسب.
وحينها…
لا يعود المواطن هو محور الصراع…
بل يصبح أول ضحاياه.
ولذلك…
فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني على نفسه اليوم ليس:
من سينتصر في هذه الحرب؟
بل:
ماذا سينتصر؟
هل ستنتصر الدولة…
أم ستنتصر البندقية؟
هل سينتصر المواطن…
أم سينتصر أمراء الحرب؟
وهل سيخرج السودان من هذه الحرب دولةً أقوى…
أم مساحةً أوسع للسلاح، والنزوح، والانقسام، واستمرار المعاناة؟
🤔 يتساءل الكثيرون:
لماذا إنصرف العالم عن السودان؟
ولماذا أصبحت هذه المأساة توصف بأنها “الحرب المنسية”؟
ربما لأن العالم رأى أن سنوات الحرب الطويلة لم تُنتج مشروعاً وطنياً جامعاً، ولا أوقفت دائرة العنف، بينما توالت أزمات دولية أخرى استحوذت على اهتمامه.
لكن الحقيقة التي يجب أن تواجهنا هي أن مستقبل السودان لن يصنعه العالم ، طالما عجز السودانيون عن الاتفاق على طريق يوقف نزيف بلادهم.
ليس كل من يحمل السلاح يحمل مشروعاً لبناء الدولة…
وليس كل من يرفع شعار العدالة ينتهي إلى تحقيقها.
والأمم العاقلة لا تتعلم من الشعارات…
بل من نتائج التجارب.
ولهذا…
لا تنتظروا من هذه الحرب ما انتظره أهل دارفور أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً.
فإن كان ربع قرن من الحروب لم يُعد القرى إلى أهلها، ولم يُنهِ النزوح، ولم يُحقق العدالة التي وُعد بها الناس…
فإن تكرار الطريق نفسه، مع إنتظار نتيجة مختلفة، ليس أملاً…
بل مخاطرة قد يدفع السودان كله ثمنها ‼️
✍️ محمدالفاتح حضرة
🧭 الأول من أغسطس2026

زر الذهاب إلى الأعلى