الأعمدة

كم خسائر الحرب… وكم تكلفة إعادة البناء؟

ما أسهل أن تمتد يدٌ إلى الزناد، وما أصعب أن تمتد آلاف الأيدي لإزالة الركام. وما أيسر أن تُشعل الحرب في لحظة، وما أعسر أن تُطفأ آثارها التي قد تظل تتقد في النفوس والعمران لعقود طويلة.
فالحروب، منذ أن عرفها الإنسان، لم تكن يومًا طريقًا إلى ازدهار الأوطان، وإنما كانت مصانع للخسائر، ومواسم للأحزان، ومقابر للأحلام. ومع تطور وسائل القتال وتعاظم أدوات الدمار، أصبحت فاتورة الحرب أثقل من أن تُحصى بالأرقام، لأن أثمن ما يُفقد فيها ليس الحجر، وإنما الإنسان.
ولقد أثبتت تجارب الأمم أن إعادة بناء الجدران أهون من إعادة بناء البشر، وأن تشييد الجسور أيسر من ترميم الثقة بين أبناء الوطن الواحد. كما أن إزالة آثار الدمار كثيرًا ما تستنزف من الأموال والوقت والجهد ما يفوق تكلفة البناء ذاته، بينما تضيع سنوات كان يمكن أن تُستثمر في التنمية والتعليم والصحة والزراعة، وفي صناعة مستقبل أكثر أمنًا وكرامة.
وحين تضع حربنا اللعينة أوزارها، سيجد الجميع أنفسهم واقفين أمام مشهد بالغ القسوة؛ مدن أنهكها الخراب، وقرى أكلتها النيران، ومؤسسات أصابها الشلل، وخدمات تراجعت إلى حدود العدم. كهرباء ومياه، وصحة وتعليم، وزراعة وصناعة… كلها دفعت ثمنًا باهظًا لصراع لم يترك بيتًا إلا وطرق بابه بالحزن أو الخوف أو الفقد.
ثم تأتي المأساة الإنسانية الأكبر؛ ملايين من النازحين واللاجئين، وأسر تمزقت أوصالها، وأطفال حُرموا من مقاعد الدراسة، وشيوخ ينتظرون العودة إلى ديار قد لا يجدون منها سوى الأطلال. لقد تبددت سكينة البيوت، وانقطعت صلات الجوار، وذبلت تفاصيل الحياة التي كانت تمنح الناس شعورهم بالأمان.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: ماذا بعد؟ وهل يكفي أن يرفع هذا الطرف أو ذاك راية نصرٍ يظنه انتصارًا، بينما يقف الوطن كله على أنقاضه؟ وأي انتصار يُرجى إذا كان ثمنه إنسانًا مفقودًا، وطفلًا مشرَّدًا، ومدينةً مهدمة، واقتصادًا منهكًا، وأجيالًا ستقضي سنوات طويلة وهي تحاول تضميد جراح لم تصنعها؟
إن إعادة إعمار الأوطان لا تبدأ بالإسمنت والحديد، وإنما تبدأ بإعمار النفوس، وإعلاء قيمة الإنسان، والاعتراف بأن السلام، مهما بلغت كلفته، يبقى أقل ثمنًا من الحرب، وأن الحوار، مهما طال، أرحم من رصاصة تختصر العمر، وتهدم ما تعجز عقود عن بنائه.
فهل آن للعقول أن تنتصر على البنادق، وللحكمة أن تسبق صوت المدافع، وللضمائر أن تستيقظ قبل أن يتحول ما تبقى من الوطن إلى صفحة أخرى في سجل الخراب؟
﴿فهل من مذكر)
والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى