حين سقط الدستور… بدأت الدولة السودانية في السقوط و الإنهيار ‼️ 📜كيف بدأ الانهيار الشامل في السودان؟

✍️ محمد الفاتح حضرة
(قراءة دستورية وسياسية في الجذر الحقيقي للمأساة السودانية)
🧐إذا أردت أن تعرف لماذا انهار السودان… فلا تبدأ من 15 أبريل 2023..
ولا تبدأ من معارك الخرطوم…
ولا من دارفور…
ولا من الجزيرة…
ولا من شمال كردفان…
ولا من الانهيار الاقتصادي الذي يطحن الناس اليوم..
🧐🫵إبدأ من 25 أكتوبر 2021.
لأنني أعتقد أن كل ما نراه اليوم…
ليس إلا النتيجة الطبيعية لما حدث في ذلك اليوم.
فالحرب لم تُسقط الدولة…
الدولة كانت قد بدأت تتهاوى قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.
🛑 لا تنظر إلى الحريق… ابحث عن أول شرارة.
منذ اندلاع الحرب، انشغل السودانيون بالنتائج…
وتراجع الحديث عن السبب الأول.
نتحدث عن الحرب…
ولا نتحدث عن الذي جعل الحرب ممكنة.
ونتحدث عن الانهيار الاقتصادي…
ولا نتحدث عن الذي هدم أساس الاقتصاد.
ونتحدث عن انهيار الأمن…
ولا نتحدث عن الذي أسقط هيبة الدولة.
ونتحدث عن التدخلات الخارجية…
ولا نتحدث عن الذي فتح لها أبواب السودان.
ولهذا ظل الجدل يدور حول الفروع…
بينما بقي أصل الأزمة بعيداً عن النقاش.
🛑 ما هو أخطر شيء يمكن أن يحدث لأي دولة؟
قد يقول قائل:
الحرب.
ويقول آخر:
الانهيار الاقتصادي.
ويقول ثالث:
التدخلات الخارجية.
لكن فقهاء القانون الدستوري، والعلوم السياسية، وتجارب الأمم، يكادون يتفقون على حقيقة واحدة:
أخطر ما يصيب أي دولة ليس الحرب… وإنما سقوط النظام الدستوري.
ولماذا؟
لأن الدستور ليس مجرد كتاب…
وليس مجموعة مواد قانونية تُقرأ في الاحتفالات.
الدستور هو المرجعية العليا التي تحدد:
من يحكم…
وكيف يحكم…
ومن يراقبه…
ومن يحاسبه…
وكيف تنتقل السلطة…
وكيف تُحل الخلافات دون اللجوء إلى القوة.
فإذا سقطت هذه المرجعية…
لم يعد الاحتكام إلى القانون هو الأصل…
بل أصبح الاحتكام إلى القوة.
وهنا تبدأ الدولة في فقدان توازنها.
🛑 الدولة ليست الحكومة… وليست الجيش.
وهنا يقع كثير من الناس في خطأ كبير.
يظنون أن الدولة هي الحكومة.
أو أن الدولة هي الجيش.
أو أن الدولة هي رئيس مجلس السيادة.
وهذا غير صحيح.
الدولة أكبر من كل هؤلاء.
الدولة هي الدستور…
وهي المؤسسات…
وهي سيادة القانون…
وهي استقلال القضاء…
وهي الفصل بين السلطات…
وهي خضوع الجميع للقانون، دون استثناء.
أما السلطة…
فهي مجرد إدارة مؤقتة للدولة.
تأتي…
ثم ترحل.
أما الدولة…
فيجب أن تبقى.
ولهذا فإن تغيير الحكومات لا يهدم الدولة.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها خارج الإطار الدستوري.
وحين تصبح القوة هي المرجع الأعلى…
يتراجع سلطان الدستور…
وتبدأ الدولة في السقوط.
🛑 لماذا أعتبرُ 25 أكتوبر هو نقطة التحول؟
🧐🤔
قد يختلف السودانيون في تقييم ما جرى يوم 25 أكتوبر 2021..
ولكن من الصعب إنكار أن ذلك اليوم غيّر مسار المرحلة الانتقالية تغييراً جذرياً.
في تقديري…
فإن أخطر ما حدث لم يكن مجرد تغيير الحكومة…
بل إهتزاز الأساس الدستوري الذي كانت تقوم عليه مؤسسات الدولة.
وحين يهتز هذا الأساس…
لا تسقط حكومة فقط…
بل يبدأ ميزان الدولة كله في الاختلال.
وتصبح المؤسسات، شيئاً فشيئاً، أقل قدرة على أداء وظائفها باستقلال.
وتبدأ موازين القوة في التقدم…على حساب موازين القانون.
وهذا ما تقوله تجارب الأمم.
فالانقلابات العسكرية قد تنجح في السيطرة على السلطة…
لكنها غالباً ما تُدخل الدولة في أزمة شرعية، وتُضعف مؤسساتها، وتفتح الباب أمام صراعات جديدة.
ولهذا، فإنني لا أرى أن حرب 15 أبريل 2023 كانت بداية المأساة…
بل كانت النتيجة الأكثر دموية لمسار بدأ قبلها بعام ونصف.
🛑 قبل أن نسأل: كيف نوقف الحرب؟
🧐🫵علينا أن نسأل أولاً:
كيف وصل السودان إلى اليوم الذي أصبحت فيه البندقية أعلى من الدستور؟
لأن من يُخطئ في تشخيص بداية المرض…
لن ينجح في وصف العلاج.
وإذا اعتبرنا أن الحرب هي أصل الأزمة…
فسنبحث عن حل عسكري.
أما إذا أدركنا أن الأزمة بدأت يوم اهتزت الشرعية الدستورية…
فسنعرف أن طريق الإنقاذ لا يبدأ بكسب المعارك…
بل باستعادة الدولة نفسها.
فالدول لا تنهار يوم تندلع الحروب…
بل تبدأ في الانهيار يوم يفقد الدستور سلطانه، ويعلو عليه سلطان القوة.
🫵وهنا… تبدأ الحكاية.
🛑 حين غاب الدستور… من الذي أصبح يحكم السودان؟
إذا اتفقنا أن 25 أكتوبر 2021 كان نقطة التحول الكبرى…
فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
ماذا يحدث للدولة عندما يسقط ميزانها الدستوري؟
الإجابة ليست رأياً سياسياً…
وليست اجتهاداً شخصياً…
بل هي من أبسط مبادئ القانون الدستوري.
فعندما تسقط المرجعية الدستورية…
لا تتغير الحكومة فقط…
بل تبدأ العلاقة بين سلطات الدولة كلها في الاختلال.
وحين يختل هذا الميزان…
تتقدم القوة…
ويتراجع القانون.
وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي للدولة.
🛑 الدولة لا تُقاس بأسماء الوزراء… وإنما بمن يملك القرار.
قد يقول قائل:
ولكن السودان اليوم لديه رئيس وزراء…
ولديه وزراء…
ولديه حكومة مدنية.
وأقول:
هذا صحيح من حيث الشكل.
لكن دعونا نسأل السؤال الصحيح:
من يملك القرار الحقيقي؟
من يملك القوة؟
من يملك سلطة فرض إرادته إذا وقع خلاف؟
من يملك الكلمة الأخيرة؟
🫵هذه ليست أسئلة سياسية…
بل هي أسئلة دستورية.
فالسلطة الحقيقية لا تُقاس بعدد الوزراء…
ولا بعدد المؤتمرات الصحفية…
بل بمن يملك القرار الذي لا يستطيع أحد أن يراجعه أو يوقفه.
ولهذا فإن وجود حكومة مدنية، في حد ذاته، لا يكفي للقول إن الدولة عادت إلى مسارها الدستوري، إذا بقيت موازين السلطة الفعلية خارج منظومة الرقابة والمساءلة التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
🛑 الحكومة شيء… والسلطة شيء آخر.
وهنا أريد أن أفرق بين أمرين يخلط بينهما كثير من الناس.
قد توجد حكومة…
🧐🫵لكن السؤال:
هل هي التي تحكم فعلاً؟
في الدولة الدستورية…
الحكومة تخضع للدستور.
وتخضع للقانون.
وتخضع لرقابة القضاء.
وتخضع لرقابة المؤسسات.
أما إذا أصبحت هناك سلطة لا تخضع عملياً لأي رقابة مؤسسية فعالة، ولا توجد جهة قادرة على مساءلتها وفق الأطر الدستورية، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بأسماء الأشخاص…
بل بطبيعة النظام نفسه.
🫵وهذا هو ما يجعل الحديث عن الفصل بين السلطات ليس حديثاً نظرياً…
بل ضمانة لحماية الدولة من تغول أي سلطة على الأخرى.
🛑 لماذا أُصرُّ على الحديث عن إستقلال القضاء ؟
لأن القضاء هو آخر حصون الدولة.
قد يختلف الناس مع الحكومة…
وقد يختلفون مع البرلمان…
لكنهم يلجأون في النهاية إلى القضاء.
فإذا فقد الناس ثقتهم في أن العدالة تُطبق على الجميع بمعيار واحد…
🫵فإن أخطر ما يصيب الدولة لا يكون انهيار مبنى المحكمة…
بل انهيار الثقة في فكرة العدالة نفسها.
ولهذا قال فقهاء القانون:
“لا يكفي أن يكون القضاء مستقلاً… بل يجب أن يطمئن الناس إلى استقلاله.”
فاستقلال القضاء ليس امتيازاً للقضاة…
بل هو حق للمواطن.
🛑 السؤال الذي سيطرحه التاريخ…
وأحسب أن هذا سيكون من أصعب الأسئلة التي سيواجهها السودان في المستقبل:-
🧐🫵كيف تعاملت مؤسسات العدالة في السودان مع التحولات غير الدستورية التي بدأت في 25 أكتوبر 2021؟
لقد تابع السودانيون، في السنوات التالية، ملاحقات وبلاغات ومحاكمات في قضايا ذات طابع سياسي، كما تابعوا نقاشاً واسعاً حول تطبيق بعض النصوص الجنائية المتعلقة بأمن الدولة والنظام الدستوري.
وهنا يبرز سؤال قانوني مشروع:
إذا كان أصل الخلاف بعد 25 أكتوبر يدور حول الشرعية الدستوريةلحكومة العسكر الانقلابيين…
فكيف يُفهم توجيه اتهامات تتعلق بتقويض النظام الدستوري في سياق كان النظام الدستوري ذاته محل نزاع سياسي وقانوني؟
من بعد إنقلاب 25 أكتوبر، عمَّت الفوضي السودان ..
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023…
وتعقد المشهد أكثر.
ففي الوقت الذي انشغل فيه السودانيون بالحرب، برزت أيضاً نقاشات حول ملاحقة بعض الأصوات المدنية التي انتقدت الحرب، أو دعت إلى وقفها، أو طالبت بالتفاوض والصلح بين أطرافها.
ولا أتحدث هنا عن الأشخاص…
ولا عن صحة أو بطلان كل قضية بعينها…
وإنما عن سؤال أكبر من ذلك كله:
هل تستطيع العدالة أن تبقى محل ثقة، إذا شعر قطاع من المجتمع أن القانون يُطبَّق بإنتقائية و بمعايير مختلفة تبعاً للظروف السياسية؟
هذا سؤال لا يخص حكومة…
ولا معارضة…
بل يخص مستقبل الدولة نفسها.
🛑 وهنا أصل إلى بيت القصيد…
في تقديري…
ليست المشكلة أن السودان شهد انقلاباً…
فكثير من الدول شهدت انقلابات.
وليست المشكلة أنه شهد حرباً…
فكثير من الدول عرفت الحروب.
🫵لكن المشكلة الحقيقية هي أن السودان، منذ 25 أكتوبر 2021، دخل في مسار تآكلت فيه المرجعية الدستورية التي تضبط العلاقة بين السلطة والقانون.
وحين يحدث ذلك…
لا يعود السؤال:
من يحكم السودان؟
بل يصبح السؤال الأخطر:
من يحكم من؟
هل يحكم الدستور السلطة؟
أم تحكم السلطة الدستور؟
🫵ذلك…
هو السؤال الذي يجب أن يجيب عنه كل سوداني قبل أن يبحث عن أي حل سياسي أو عسكري.
🫵وفي هذا الموضع تحديداً، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل كانت المؤامرة الخارجية هي التي صنعت هذه المأساة… أم أننا نحن الذين فتحنا لها الباب؟
🧐🫵هذا ما سأناقشه معكم إن شاء الله في الجزء الأخير من هذا المنشور.
📜الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها…
إذا أردت أن تُقنع شعباً بأن سبب مأساته هو الخارج…
فعليك أولاً أن تُنسيه ما فعله الداخل.
وهذا هو عين ما يحدث في السودان منذ سنوات.
فكلما اشتدت الكارثة…
ارتفعت الأصوات وهي تردد:
“إنها مؤامرة خارجية…”‼️😡
لا أحد ينكر أن الدول تتحرك وفق مصالحها، وأن الصراعات الداخلية كثيراً ما تستدعي تدخلاً إقليمياً ودولياً.
لكن…
دعونا نسأل السؤال الذي يسبق كل ذلك.
من الذي فتح هذا الباب؟🤔
هل جاءت دولة أجنبية وأسقطت النظام الدستوري في 25 أكتوبر 2021؟
هل جاءت قوة أجنبية وأنهت المرحلة الانتقالية؟
هل جاءت دولة أجنبية وجعلت السودانيين يرفعون السلاح في وجه بعضهم بعضاً؟
أم أن ذلك كله قد بدأ بقرارات اتخذها سودانيون، ثم جاءت القوى الخارجية بعد ذلك لتتعامل مع واقع جديد، وفق مصالحها هي؟
هذه ليست محاولة لتبرئة الخارج…
ولا لإدانته وحده…
بل محاولة لوضع كل مسؤولية في مكانها الصحيح.
فالسياسة الدولية لا تعرف العواطف…
بل تعرف المصالح.
والدول لا تخلق الفراغ…
بل تستثمره.
ولا تصنع الانقسام…
بل تستفيد منه عندما تجده قائماً.
ولهذا فإن تعليق كل شيء على شماعة “المؤامرة الخارجية” لا يفسر المأساة…
بل يؤجل مواجهة حقيقتها.
🛑 من الذين يتقاتلون اليوم في السودان؟🤔
لعل الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن أطراف الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 في الأصل هم شركاء إعتصام القصر الجمهوري.
🧐🫵ففي أصل المشهد السياسي، كانت هناك قوى قد التقت مصالحها – بدرجات متفاوتة – حول إنهاء المرحلة الانتقالية وإسقاط الحكومة المدنية عبر دعوة الجيش والدعم السريع الي تنفيذ إنقلاب عسكري ضد حكومة ثورة ديسمبر التي كانت برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك..
وبالفعل.. نفذ أولائك الشركاء جريمتهم الدستورية..
ثم انتهى بهم الأمر بعد سنة ونصف من ذلك الإنقلاب إلى الاقتتال فيما بينهم عندما انفجر الصراع على السلطة والنفوذ في 15 أبريل 2023.
ثم التحقت بالحرب، بعد ذلك، قوى أخرى سياسية وعشائرية وطائفية ، لكل منها حساباته وأهدافه.
أما القوى الخارجية والدولية…
فقد انحاز كل طرف منها إلى الطرف الذي رأى أن مصالحه تتحقق معه.
وهذا ليس جديداً في تاريخ الصراعات.
لكن يبقى السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه:
هل كان كل ذلك سيحدث لو بقي الدستور هو المرجعية العليا، ولو بقيت مؤسسات الدولة قادرة على إدارة الخلافات داخل إطار القانون؟
في تقديري…
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن ننشغل به، لا أن نهرب منه.
🛑 لماذا انهار السودان بهذه السرعة؟
لأن ما جرى لم يكن مجرد أزمة سياسية…
بل كان انهياراً متسلسلاً.
بدأ دستورياً…
ثم أصبح سياسياً…
ثم تحول إلى أزمة أمنية…
ثم إلى حرب…
ثم إلى انهيار اقتصادي…
ثم إلى انهيار في الخدمات…
ثم إلى تراجع في الثقة بمؤسسات الدولة…
ثم إلى تمزق اجتماعي ما زالت آثاره تتسع يوماً بعد يوم.
وهذه ليست أزمات منفصلة…
بل حلقات في سلسلة واحدة.
ولهذا فإن معالجة الحلقة الأخيرة…
مع تجاهل الحلقة الأولى…
لن تُخرج السودان من أزمته.
🛑 الحقيقة التي يجب أن يعرفها كل أهل السودان…
إذا أردت أن تعرف لماذا وصل السودان إلى ما هو عليه اليوم…
فلا تبدأ من 15 أبريل 2023.
ابدأ من 25 أكتوبر 2021.
فالحرب لم تُسقط الدولة…
الدولة كانت قد بدأت تتهاوى قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.
ولهذا فإن أخطر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نختلف حول نتائج الأزمة…
ونتجنب الحديث عن سببها الأول.
فلا يمكن أن نستعيد الاقتصاد…
إذا لم نستعد الدولة.
ولا يمكن أن نستعيد الدولة…
إذا لم تستعد مؤسساتها استقلالها.
ولا يمكن أن تستعيد مؤسسات الدولة استقلالها…
إذا غابت المرجعية الدستورية، وضعفت سيادة القانون، واختل التوازن بين السلطات.
📜🛑 الخاتمة
السودان لا يحتاج إلى منتصر… بل يحتاج إلى دولة.
بعد كل ما جرى…
أدعو كل سوداني، أياً كان انتماؤه السياسي، إلى أن ينسى للحظة أسماء القادة…
وأسماء الأحزاب…
وأسماء الحركات المسلحة…
ثم يسأل نفسه سؤالاً واحداً:
ما الذي ضاع أولاً؟
هل ضاع الاقتصاد؟
لا.
هل ضاع الأمن؟
لا.
هل اندلعت الحرب أولاً؟
لا.
الذي ضاع أولاً… هو النظام الدستوري.
وحين ضاع الدستور…
ضاع معه ميزان الدولة.
فضاعت المؤسسات…
ثم اضطربت منظومة العدالة…
ثم تآكلت هيبة القانون…
ثم انهار الأمن…
ثم انهار الاقتصاد…
ثم دخل السودان في واحدة من أكبر المآسي في تاريخه الحديث.
ولهذا فإنني أعتقد أن أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه السودانيون اليوم هو أن يبحثوا عن علاجٍ للنتائج، بينما يرفضون الاعتراف بسببها الأول.
فلا يمكن أن نستعيد الاقتصاد…
إذا لم نستعد الدولة.
ولا يمكن أن نستعيد الدولة…
إذا لم نستعد سيادة الدستور.
🛑 الورطة التي لم يحسب لها العسكر الانقلابيين حساباً… ‼️
في تقديري…
لقد ظن كثيرون أن تقويض النظام الدستوري سيمنحهم سلطةً أكبر، ونفوذاً أوسع، وسيطرةً كاملة على الدولة.
لكن الذي حدث كان نقيض ذلك تماماً.
إضطربت الأرض تحت أقدام الجميع…
وتحوّل الشركاء إلى خصوم…
ثم تحوّل الخصوم إلى أعداء يحمل بعضهم السلاح في وجه بعض.
وانهارت مؤسسات الدولة…
واستُنزفت مواردها…
وتوقفت عجلة الإنتاج…
وتشتت ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها…
وأصبح السودان كله يدفع ثمن صراع لم يربح فيه أحد.
ثم جاءت الحرب بما حملته من اتهامات خطيرة بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، وبما قد يترتب عليها من مطالبات بالمساءلة أمام القضاء الوطني أو الآليات الدولية، فأصبح المشهد أكثر تعقيداً، وأصبح الخروج من الأزمة أصعب بكثير مما كان عليه في بدايتها ‼️
ولذلك…
قد يرى بعض الناي أن استمرار الحرب ليس فقط بسبب صعوبة الحسم العسكري، بل أيضاً بسبب حجم التعقيدات السياسية والقانونية التي تراكمت مع مرور الوقت، حتى أصبح التراجع عن الحرب سيكون أكثر كلفة، رغم ان الاستمرار سيكون أكثر مأساوية ‼️.
🫵وهنا تكمن الورطة الحقيقية…
فكل يوم يمر…
يزيد الخسائر…
ويُعمّق الجراح…
ويجعل إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة.
🛑 مسؤولية العقلاء من أهل السودان…
وهنا…
تبدأ مسؤولية العقلاء من أبناء السودان.
فقد أثبتت التجربة أن السلاح وحده لا يبني دولة…
ولا يُحقق سلاماً…
ولا يصنع شرعية.
ولم يعد السؤال اليوم:
من ينتصر؟
بل أصبح السؤال:
كيف ينجو السودان؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يتقدّم على كل سؤال آخر.
لقد واجهت شعوب كثيرة مآسي أشد مما نعيشه اليوم.
وفي جنوب أفريقيا، لم يكن الطريق سهلاً بعد عقود الفصل العنصري، لكن العقلاء قدّموا بقاء الدولة على رغبة الانتقام، فكان الحوار، والمصالحة، والعدالة الانتقالية، بداية طريق جديد.
وفي رواندا، وبعد واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث، لم يكن الخيار بين النسيان والانتقام، بل كان البحث عن صيغة تُحقق العدالة، وتحفظ المجتمع، وتمنع تكرار المأساة.
وليس المقصود أن ننسخ تجارب الآخرين…
فلكل شعب ظروفه.
ولكن المقصود أن نتعلم الدرس نفسه:
لا توجد حرب أهلية تنتهي بانتصار الجميع…
ولا توجد دولة تُبنى على أنقاض الانتقام الدائم.
🛑 الكلمة الأخيرة…
إذا أردت أن تعرف لماذا انهار السودان…
فلا تبدأ من 15 أبريل 2023.
ابدأ من 25 أكتوبر 2021.
فالحرب لم تُسقط الدولة…
الدولة كانت قد بدأت تتهاوى قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.
وقد يختلف السودانيون حول الأحزاب…
ويختلفون حول الحكومات…
ويختلفون حول الأشخاص…
لكنهم إذا لم يتفقوا على أن الدستور يجب أن يكون أعلى من الجميع، وأن البندقية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الشرعية، فإن السودان سيظل يدور في الحلقة نفسها، مهما تغيرت الوجوه، ومهما تبدلت التحالفات.
قد لا نستطيع أن نُغيِّر ما حدث في 25 أكتوبر 2021…
لكننا نستطيع أن نمنع السودان من أن يظل أسيراً لذلك اليوم إلى الأبد.
فالدول لا يحميها السلاح…
بل يحميها الدستور.
ولا يبنيها المنتصرون في الحروب…
بل يبنيها المنتصرون لسيادة القانون.
وهذه…
في تقديري…
هي الحقيقة التي سيكتبها التاريخ… مهما اختلف الناس حول تفاصيل السياسة.



