الأعمدة

عظمة على عظمة يا ست !

في زمان الطرب الأصيل، كان المستمعون، على اختلاف طبقاتهم، يتهيأون للسماع كما يتهيأ الناس لموعد احتفالي كبير؛ فمنهم من يذهب أفراداً أو جماعات إلى المسارح والحفلات المفتوحة، ومنهم من يتحلق حول المذياع أو التلفاز، يقضون الساعات الطوال في نشوة وصفاء.
وكان بعضهم ينفعل بعفوية صادقة، فيهتف بعبارات طريفة تشعل الأكف بالتصفيق، ويتبارى عشاق هذا المطرب أو تلك المطربة في إطلاق الصيحات المحببة، من قبيل: ( عظمة على عظمة يا ست ) كما كان يردد عشاق الراحلة الست أم كلثوم الذين لا يتغيبون عن حفلاتها الشهرية الراتبة.
ولم تكن تلك الظاهرة حكراً عليها وحدها، فقد كان لكل مطرب أو مطربة جمهورهم، وهتيفتهم الخاصة، وصحافيوهم الذين يتنافسون بمختلف الأساليب في مناصرة فنانيهم المفضلين.
غير أن الأحوال في الزمن الحاضر تبدلت كثيراً، وأصبحت على خلاف تلك الصورة القديمة في التعبير عن الإعجاب. فصار الإعجاب يقاس ـ في أحيان كثيرة ـ بمقدار ما يتناثر من أوراق البنكنوت تحت أقدام المطربات والراقصات، أو أمام بعض المطربين الذين يقبلون ذلك الأسلوب المستفز وهم في حال من الحرج الذي يحفه الخجل والكسوف.
وأصبحت هذه الظاهرة تمثل نوعاً من العبث الاستفزازي، تمد لسانها للذوق العام، لا سيما عندنا هنا، وفي كثير من مهاجرنا، حيث بات الفن السوداني لدى البعض مهنة للتكسب الرخيص وابتزاز الأذواق، دون موهبة حقيقية، أو حتى لياقة في المظهر، أو لباقة في السلوك.
وطبعاً، فإن هذا الانحدار في الذائقة العامة لا يمكن فصله عن تردي الأحوال الاجتماعية، وتحول الظروف العامة، كما لا يمكن فصله عن ابتعاد الشباب ـ بصورة خاصة ـ عن القراءة، ومتابعة إصدارات المطابع، واكتساب الثقافة المفيدة. فقد جرفتهم الهواتف الذكية بعيداً عن ذلك كله، وباعدت بينهم حتى وبين محيطهم العائلي، فضلاً عن تراجع اهتمامهم بمشاهدة الفضائيات ومتابعة أخبار العالم، بعد أن تسيدت تلك الشاشة الصغيرة عقولهم، وأصبحت عالماً قائماً بذاته، يستلب الألباب ويثقب الذاكرة المعرفية.
وهو، بالطبع، جيل لم يعايش زمن: ( عظمة على عظمة يا ست ) ذلك الزمن الذي مضى ـ فيما يبدو ـ بلا رجعة، وفق معطيات العصر الحالي.
ومع ذلك، فإن اختلاف الأزمان لا يعني بالضرورة إدانة الأجيال الجديدة، فهي تتمسك بطبيعة الحال بالبيئة التي نشأت فيها، وتربت على تداعيات تطورها، كما تمسكنا نحن بما شكل وجداننا في زماننا.
ولعل المثل الشعبي القديم قد اختصر هذه الفكرة ببلاغة حين قال: ( فلان زمانه فات وغنايه مات ).
مع خالص التحيات، وطيبات الأمنيات، وبركات هذه الأيام المشرقات.

زر الذهاب إلى الأعلى