الأعمدة

سحر الُمباغَتة وروعة الدهشة في القصائد الغنائية للشاعر/ على المساح

بقلم: إسماعيل السيد أحمد
تداعب ذهن القارئ/المستمع نشوة الابداع وهو يتجول في مدارات القصائد الغنائية للشاعر/ على أحمداني الشهير -بعلى المساح-، ولا يوقظه منها سوى سحر الدهشة وروعة المُباغَتة، وهما يقطعان اشطان التَّوقُّع لديه، ويحفزان الوعي الفجائي في نفسه ليستغرق في أبعادها الجمالية حين من الوقت.
عمّد الشاعر/ على المساح على توظيف المفاجأة التعبيرية كوسيلة فنية في قصائده الغنائية بصورة تجعل المستمع إليها يستمتع بها ويتفاعل معها بقدر كبير، كاسراً بذلك حاجز المألوف من النصوص الشعرية الغنائية، ومحفزاً الانتباه الفكري والشعوري للمستمع، ليجعله مستمتعاً بسحر وجماليات تلك المفاجأة.
يحاول هذا المقال الكشف عن الدهشة الفنية في الشعر الغنائي للشاعر/ على المساح، ومدى مقدرة اشعاره على إحداث الصدمة الإبداعية التي تتجاوز أفق التَّوقُّع لدى المستمع، وذلك من خلال تحليل العديد من نماذج اشعاره الغنائية، بالإضافة إلى أن المقال يتناول الابعاد الفنية والدلالات النفسية لها.
فعلى سبيل المثال، في البيت التالي من قصيدة “غصن الرياض المائد”، التي (لحنها واداها الفنان الشبلي، وسجلها للإذاعة السودانية الفنان/ عبد الكريم عبد الله مختار- كرومة-) قوله:
يا خُلاصة الحواري المن جِنان وخوالد
حُسنك ليك يدوم، لا أم تلِد لا والد
يحدث الشاعر دهشة تعبيرية للمستمع بقوله: “لا أم تلِد لا والد”، حيث إن المألوف لديه بأن فعل الولادة تضطلع به حصرياً الأم دون الوالد، لكون أن الأب لا يلد، وأن عنصر الدهشة يكمن في استدعاء الشاعر لكلمة <> المخالفة لتوقع المستمع؛ وبإتيان الشاعر لكلمة <> يكون قد عدّد مصادر الانجاب (الوالد والام) وذلك على سبيل المبالغة ونفي المماثلة لجمال المحبوبة، والتأكيد على أن جمالها لا ولن يتكرر مهما تعددت مصادر الانجاب، مما يعكس أثر اًجمالياً ونفسياً عميقاً لدى المستمع.
وفي ذات القصيدة، يباغت الشاعر المستمع بعبارة <> وهو يستمع إلى وصف الشاعر لرؤية المحبوبة وتشبيهه لها بهلال العيد بقوله: “شوفتك زي هلال العيد”، في الوقت الذي يتوقع المستمع أن يسمع من الشاعر وصف فرحته برؤيتها وعقد المقارنة بين الرؤيتين بجامع الفرح والبشريات في كليهما، يجد نفسه مُفاجئاً بعبارة <>، وهي مفاجأة فنية – بلا ريب – تجعل صورة رؤية الهلال تتجاوز حدود أثرها النفسي والاجتماعي المألوف، وحينها تصبح رؤية المحبوبة ليست مجرد طقساً احتفائياً، بل تغدو المحبوبة نفسها عيداً يبعث الفرح والتهنئة في النفوس.
شوفتك زي هلال العيد، وفيه اعايد
جافيتني ليه أنا رايد
ويستمر سحر المفاجأة يداعب مخيلة المستمع في القصيدة نفسها، عندما يستحضر الشاعر عبارة <> في مفارقة تعبيرية غير متوقعة تبعث في نفسه جمال الدهشة وروعة المباغتة،
المشكلة بين هواي وجفاك، وانت محايد
فعبارة <> في السياق العام توحي للمستمع بأن هنالك شخصاً يقف خارج حدود النزاع، ولا ينحاز لأي من طرفيه سواء كان الشاعر أو هوى المحبوبة (وهما طرفا النزاع)، غير أن الشاعر يفاجئ المستمع بأن موقف الحياد نفسه صادر من الشخص الذي تدور حوله المشكلة أساساً؛ وهو المحبوبة، على الرغم من إنها تُعد مصدراً للهوى والجفاء معاً.
وفي لحظة تتجلّى فيها أسمى معاني الوفاء والامتنان، يستغرق المستمع في التمتّع بما يجود به المُحبُّ لمحبوبته، إذ يهديها أغلى ما يملك: روحه، في أسمى صور البذل والتفاني. “روحي وهيبة ليك.. وهي هدية” في قصيدته (أغنية زمانك والهوى أعوانك، لحنها وغناها الفنان الشبلي بمدينة ود مدني، مسجلة في ا لإذاعة السودانية بصوت الفنان عوض الجاك)، إلا أن الشاعر يفاجئ المستمع بما لا يتوقعه من عرفان يفوق تقديم الروح كهدية لها، حينما يأتي بعبارة <>؛ أي إنَّ روحه أصبحت خاضعة خضوعاً تاماً لإرادة المحبوبة، تأتمر بأمرها وتنتهي بنهيها، في صورةٍ تجسّد ذروة الاستسلام العاطفي.
روحي وهيبة ليك.. وهدية طوع بنانك
اعتاد المستمع، ولا سيما عند إنصاته إلى القصائد الغنائية، أن يستمع إلى الشعراء وهم يتلون آيات محاسن محبوباتهم، ويفيضون في وصف محاسنهن وسحرهن، بيد أن الشاعر يفاجئه بصورة مغايرة تنأى عن المألوف، وتفتح أمامه أفقاً جديداً للتلقي والتأويل. فمثلاً في قصيدته الغنائية “بالله يا نِسيّم الصَّبَا” التي لحنها الفنان عبد الرحيم الجريف بمدينة ود مدني، سجلها للإذاعة السودانية الثنائي ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعة، قوله:
بهجة حياتك عاجبا
عاجباك نفسك، ﻭ عاجبا
بينما يتنقل المستمع في رحاب إعجاب الشاعر بمحبوبته وإعجاب المحبوبة بنفسها ” بهجة حياتك عاﺟﺒا ** عاجباك ﻧﻔﺴﻚ “، يأخذه الشاعر على حين غره بقوله <> والتي تخلق قدراً من الدهشة في نفس المستمع، إذ إن الدهشة تتمثل في أن جمال المحبوبة لم يعد مصدراً لإعجاب الشاعر والمحبوبة نفسها فحسب، بل تجاوزهما ليكون مصدراً لإعجاب بهجة حياة المحبوبة نفسها” بهجة حياتك عاﺟﺒا “، حيث تتجلى المفاجأة في أن كلمة <> شكّلت المفارقة النفسية والتعبيرية، الأمر الذي يثير الدهشة في نفس المستمع.
في قصيدته “الشاغلين فؤادي” التي لحنها واداها بمدينة ود مدني الفنان/ الطيب الإنجليزي في العام 1918، وسجلها للإذاعة السودانية الفنان إبراهيم الكاشف، وفي غمرة إنصات المستمع إلى مرافعة شكوى الشاعر، التي يفيض فيها بالحديث عن جفاء محبوبته، ولهفة روحه إلى لقائها، ويخلص منها إلى أن بُعدها عنه هو ظمأ روحه الذي لا يرتوي إلا بقربها ووصالها، وأنه يقضي ليله ساهراً يتلو آيات حسنها، وهي معان درجت عليها معظم شكاوى العشاق (عرضحال) في الشعر الغنائي، تأتي المفاجأة الفنية في قوله: «واحسب سهاي»، في حين يتهيأ فيه ذهن المستمع لسماع تعبير مألوف يدل على طول السهر، كعدّ النجوم أو انقضاء الليل، يخرج الشاعر عن هذا السياق المتوقع، فيستدعي الشاعر شرود الذهن، ليجعل من إحصائه صورة موحية بطول السهر واستغراق النفس في التأمل. وبهذا العدول عن المألوف تتجاوز الصورة حدود الوصف التقليدي، لتغدو مشهداً شعرياً يثير الدهشة في نفس المستمع، ويستنفر خياله لاستكشاف ما تنطوي عليه العبارة من عمق دلالي وجمال فني.
ظمأى بعدك وقربك رؤاي
أقيم ليلى واحسب سهاي
في قصيدة “الشاغلين فؤادي” يصّف الشاعر حالته النفسية عند معاودة النسيم له بأنه مشغول الفكر شارد البال، ومضطرب الذهن إلى درجة الانشطار والانفصال عن حالة الاتزان ” مشغول فكري.. سارح مشطوب “، ولم يكتف بذلك، بل وفي خطوة تصعيدية الدلالة، يفاجئ الشاعر المستمع بكلمة <> التي تعكس حالته النفسية المضطربة؛ وتوحي للمستمع بأن شرود ذهنه لم يعد أمراً عارضاً، وإنما أصبح واقعاً معاشاً يهيمن على الشاعر، كما أنها تسهم في رسم صورة نفسية مكثفة للشاعر الذي استبد به الوجد حتى غدا ذهنه غائباً عن الواقع، وهو ما يمنح البيت قوة تعبيرية ودلالة وجدانية كبيرة.
مشغول فكري سارح مشطوب، انشطاب
وللقارئ الكريم أن يقف متأملاً أمام سر المباغتة الآسر الذي أبدع فيه خلقه شاعر أميّ لم يتلقَّ تعليماً نظامياً أو غيره، ولم يُحِط بمبادئ القراءة والكتابة، فضلاً عن أنه لم يدرس كتاب العروض للخليل بن أحمد الفراهيدي، ولم يطالع ألفية ابن مالك، ولم يُتح له أن يتصفح الكتاب لسيبويه، أو ينهل من تراث أبي الأسود الدؤلي، واضع علم النحو، أو يتزود من مصنفات الإمام الزمخشري في اللغة والبلاغة. ومع ذلك، وعلى الرغم من عدم امتلاكه لأدوات المعرفة الاكاديمية، جاءت أشعاره زاخرة بألوان البديع، والمحسنات اللفظية، ومفعمة بصور البيان، وأسرار المعاني، وكأنه نهل من معين البلاغة الفيّاض في فضاء تعليم نظامي أو ديني (خلاوي).
وأمام هذه المفارقة المدهشة، يثور سؤال مشروع: كيف تسَنَّى لهذا الشاعر، وهو بعيد عن روافد التعليم المدرسي، أن يبلغ هذا المستوى الرفيع من الإبداع الفني، وأن يوظف أدوات البلاغة توظيفاً يضاهي كبار الشعراء الذين صقلتهم الدراسة النظامية والاطلاع على أمهات الكتب؟ أهي الفطرة الموهوبة، أم الذائقة اللغوية الأصيلة، أم البيئة التي كانت تنتج الشعر كما تنتج سائر فنون الحياة؟

زر الذهاب إلى الأعلى