الأعمدة

وجع الرحيل والهروب من الموت

يحيى أبنعوف
الفصل الأول: صلاة الموت الأخيرة
لم يكن الهدوء في مدينة الأبيض سوى شهيقٍ كاذب يسبق زفير الطوفان. في ذلك الركن المنهك من الحي المصدع، كان آدم علي يمسح الغبار عن وجوه صغارِه: مُـصعب، حُـذيفة، مُـهنّد، عُـمر، الصغير خالد، والبنات سُـمية ورِواء، محاولاً اختراع طمأنينة وهمية من جدرانٍ تشهق رعباً مع كل تنفس للسماء.
سماء الأبيض تقاسمها جناحان من الموت: مسيرات تحوم بلا رحمة كعقارب نهمة، وطائرات حربية تخرق الصمت بزمجرة عمياء. وفي لحظة مشؤومة، لم تكن هناك إنذارات، بل صاعقة هائلة مزقت الأحشاء والحيطان.
وسط لظى الانفجار ورائحة البارود، وجد آدم نفسه يُبعث من تحت رماد بيته. نادى بصوت مبحوح: «يا عائشة.. يا صغاري!». لكن الجواب الوحيد كان صدى صوته المرتجف في فراغ المكان. في ثوانٍ معدودات، التهم الموت كل شيء؛ زوجه عائشة، وأولاده الخمسة، وبنتاه اللتان تركت ألعابهما معلقة على الجدران المهشمة.
لم يبقَ لآدم سوى حفنة تراب مختلطة بدموع حارقة، وخراب داخلي أعمق من دمار منزله، مردداً في سريرته: «لماذا تركتني وحدي في منتصف العاصفة؟».
الفصل الثاني: أبواب الجحيم المغلقة.. تقارير الدم والألم
لم تكن الرحلة خارج الأبيض هروباً من الموت فحسب، بل كانت محاولة يائسة لانتزاع الحياة من بين أسناني التنين.
يروي سليمان الأنصاري، الذي شاخ صبارًا في شوارع الأبيض لخمسة وثلاثين عاماً، بمرارة تذيب الحجر:
“ظننا أن الجيش حصننا، فإذا به سور سجننا! منعونا من مغادرة الجحيم، استخدمونا دروعاً بشرية في معركة لا ذنب لنا فيها، ولوحوا بمصادرة بيوتنا وتسميتنا بالخونة!”
ثم ينكس رأسه، مسترجعًا تلك اللحظة التي خطفت كبده:
“فقدتُ في ليلة سوداء ثلاثة أبناء (حسن، حسين، وعثمان) وبنتين (فاطمة ومريم) تحت الأنقاض.. لم أستطع حتى أن أحفر لهم قبوراً، تركتهم وعدوت بالباقين وسط الرصاص وكأننا نركض في جوف جحيم مفتوح.”
وعلى دروب النزوح التي أعلنت عنها تحذيرات وزارة الصحة والتقارير الإنسانية، كانت الشوارع تحكي فصولاً مرعبة؛ حيث أظهرت بيانات وزارة الصحة وتفقداتها الميدانية للمخيمات وجود آلاف الأسر النازحة التي تواجه خطراً كارثياً وسط شح الغذاء والماء وتفشي الأوبئة نتيجة انهيار البنية التحتية.
كانت الأعين تذهل من رؤية الأجساد الملقاة بلا دفن على قارعة الطرقات، بينما تصرخ النساء والأطفال رعباً من جحيم المرض والعوز. وفي نقاط التفتيش، يروي المواطن عثمان البدري من حي طيبة كيف كانت عناصر الميليشيات ترابط لتذعن الفارين وتعتقل الشباب، ليبقى الموت رفيقاً لكل خطوة.
الفصل الثالث: شريان الشمال.. الممشى على الجمر
تحت جنح الخوف، تقاطرت الأسر المنكوبة نحو الشمال، حيث التقى آدم وسليمان ومن بقي من الأرواح المكسورة عند “الملتقى” على شريان الشمال؛ ذلك المفترق القاسي بين مروي ودنقله.
سار آدم بلا زاد، يحمل تابوتاً افتراضياً لجثث أسرته في ذاكرته، وسليمان يتكئ على عصاه مودعاً مدينة طردته جائعة.
على طول ذلك الطريق الموحش، كانت صرخات النازحين تشق الصحراء تطالب بممرات آمنة، بينما يتردد نداء الموجوعين لمن خلفهم بوجع: “اخرجوا.. انقذوا أطفالكم، فالأرواح هي وحدها ما يستحق النجاة!”

زر الذهاب إلى الأعلى