
ايهاب الامين
في كلِ مرة يتغنى فيها مطرب بأغنية سودانية تغنى بها قبله في زمان سابق فنان قديم على شاشة قناة فضائية يكتبون أسفل الشاشة أن من غناها في هذا التسجيل إنّما يشارك في الأداء ويرتكبون خطأ ليس لغويًا ولا بروتوكولياً بل هو خطأ قانوني وأخلاقي يجرد فناناً من حق أصيل يملكه هو ويحميه القانون ويمنح فنانًا آخر صفة لا يستحقّها في سياق هذا التسجيل بعينه، هذا المقال محاولةٌ لتفكيك هذا الخطأ المتكرّر ووضعه في إطاره القانوني السليم ثم بيان أثره على منظومة حقوق الملكية الفكرية في السودان.
دعونا نبدا من البنية القانونية للحقوق.. من يملك ماذا؟
يُصنف الشاعر والملحن في التشريع السوداني وتحديدًا قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996 وتعديلاته اللاحقة ضمن أصحاب حق المؤلف وهذا حق أصيل ينشأ بمجرد تأليف العمل ولا يحتاج إلى تسجيل أو إشهار، الشاعر مالك لنصه والملحن مالك لبنائه الموسيقي ولكل منهما الحق الأدبي وهو نسبة العمل إليه ومنع تحريفه أو تشويهه، وهو حق لا يسقط بالتقادم ولا يجوز التنازل عنه.
والحق المالي وهو استغلال العمل بالنشر أو الأداء العلني أو البثّ أو التوزيع والترخيص للغير بذلك مقابل عائد، هذا الحق ثابت لا يتأثر بمن غنى الأغنية ولا بعدد المرات التي أُعيد أداؤها.
نأتي بعد ذلك إلى الحق المجاور (حق المؤدّي) فالمغني – أي مغنٍّ – لا يُعد مؤلفًا بالمعنى القانوني بل هو صاحب حق مجاور وهذا الحق لا ينصب على الأغنية ذاتها بل على أدائه هو لها صوته، طريقة أدائه، تسجيله المحدّد. ومن ثم فإن كل تسجيل جديد لأغنية قائمة يُنشئ حقًّا مجاورًا جديدًا ومستقلًّا باسم المؤدي الجديد ولابد أن ننتبه إلى أن المؤدّي الجديد لا يشارك أحدًا في أداءٍ لم يقم به بل هو صاحب الأداء الوحيد في ذلك التسجيل.
ولابد أن ننتبه كذلك إلى أن الحق المجاور حق شخصي مرتبط بالتجسيد الفعلي للصوت في لحظة التسجيل ولا يمتد إلى مؤدٍ سابق.
بعد ذلك المنتج (شركة الإنتاج أو القناة) إذ يضاف إلى المعادلة حق منتج التسجيلات الصوتية وهو الذي موّل التسجيل وثبته على دعامة، هذا الحق مستقل عن حق المؤدي لكنه لا يلغيه. وفي السنوات الأخيرة درجتْ قناة فضائية سودانية وقلدتها القنوات الأخرى – وللأسف صارت هذه الممارسة شبه عرف بصري – على أن تذيع أغنية بتسجيل حديث لمغنٍّ معين ثم تكتب أسفل الشاشة مشاركة أداء: فلان الفلاني..
بينما الصحيح الذي يفرضه القانون والمنطق والأخلاق أن يكتب أداء أو غناء فلان الفلاني (اسم المطرب الذي يؤدي الأغنية في التسجيل المحدد.
كتابة (مشاركة أداء) خلاف أن ذلك خطأ أخلاقي هو أيضاً خطأٌ قانوني صريح لعدة أسباب:
1/ المؤدي في التسجيل هو المؤدّي الحقيقي وليس شريكاً، وكلمة مشاركة تفيد أن ثمة طرفًا آخر يملك حصة في هذا الأداء وهذا غير صحيح. الأداء المسجل فعل فردي أو جماعي إن كان كورالاً لا يقبل القسمة مع من لم يسجل.
2/ لا يوجد حق للمغني القديم على أداء المغني الجديد، نعم قد يكون المغني القديم هو مَن اشتهرت الأغنية بصوته وقد يكون هو من قدمها أول مرة لكنّ ذلك لا يمنحه أيَ حق قانوني على تسجيل لاحق أداه صوت آخر فالشهرة ليست سندَ ملكية.
3/ كتابة مشاركة أداء تنشئ التزامًا وهميًّا فهي توحي للمشاهد بأن للمغني القديم نصيباً في هذا التسجيل وقد تُستخدم لاحقًا – عن غير قصد – لتبرير عدم دفع مستحقات المؤدي الفعلي أو لتبرير نسب التسجيل إلى غير صاحبه.
وكما ذكرت فإن هذا خطأٌ أخلاقي ومهني وذلك لعدة أسباب أولها أن فيه غمط لحق المؤدي الحالي الذي بذل صوته وجهده في هذا التسجيل بعينه، كما أن فيه منح مجاني للمغني القديم لحضور لم يسع إليه في هذا السياق وكأن اسمه صار وصاية أبدية على الأغنية كما أن فيه تشويه لوعي المشاهد الذي يتلقى – مع التكرار – فكرة خاطئة مفادها أن الأغنية ملك لمغنيها الأول وأن من يأتي بعده ضيف أو شريك ثانوي.
وعندما تبث قناة فضائية أغنية فهي تمارس فعل إتاحة للجمهور وهذا يستوجب الحصول على ترخيص من أصحاب حق المؤلف (الشاعر والملحن أو من يمثلهم) ومن منتج التسجيل.
كما يستوجب الحصول على ترخيص من المؤدي صاحب الحق المجاور على ذلك التسجيل المحدد وبالضرورة نسبة العمل إلى أصحابه نسبة صحيحة الشاعر، الملحن والمؤدي والمنتج. وأي خلل في النسبة – كأن يُكتب مشاركة أداء بدل أداء – هو إخلال بالالتزام القانوني والأدبي تجاه المؤدي.
ومع توسّع النشر الرقمي (يوتيوب، منصات البثّ، صفحات التواصل) تتضاعف المسؤولية لأن إدارة الحقوق الرقمية (DRM) وأنظمة التعرّف على المحتوى (مثل Content ID) تعتمد على بيانات وصفية دقيقة فإذا كُتب مشاركة أداء في البيانات فقد يوجه العائد المالي إلى غير مستحقه أو يحرم منه صاحبه، والنشر على المنصات يتطلب ذكر المؤدي بوصفه صاحب الحق المجاور لا بوصفه ضيفًا أو شريكًا، كما أن إعادة النشر والتداول على مواقع التواصل ترسخ الخطأ إن لم يُصحح من المصدر (القناة أو المنتج). ومن أكثر الحجج شيوعًا لتبرير كتابة اسم المغني القديم أنه هو من اشتهرت الأغنية بصوته وهذه حجة عاطفية لا تصمد قانونياً لأن الشهرة واقعة اجتماعية وليست مركزاً قانونياً إذ لا يوجد في قانون حق المؤلف السوداني أو في اتفاقية روما (1961) أو في معاهدة الوايبو بشأن الأداء والتسجيل الصوتي (WPPT, 1996) ما يمنح المؤدّي الأوّل حقاً دائمًا على كل أداء لاحق والأغنية – لحنًا وكلمات – ملك الشاعر والملحّن وهما مَن يرخّصان بأدائها والمؤدي الجديد يحصل على ترخيص منهما (أو من المنتج) لا من المغني القديم إلا إذا كان المغني القديم هو من لحن الأغنية أو كتبها فحقه يكون بصفته مؤلفاً لا بصفته مؤديًا وهذا لا يبرر صيغة مشاركة أداء لأنّه في هذه الحالة يُذكَر بوصفه ملحنًا أو شاعراً.
من كل هذا نصل إلى أنه لابد من تصحيح عملي إذ لا يكفي تشخيص الخطأ بل لا بد من خطوات عملية أولها على القنوات الفضائية اعتماد صيغة موحدة ودقيقة:
– كلمات: فلان
– ألحان: فلان
– أداء (أو غناء): فلان
– توزيع موسيقي: فلان
بلا إضافة مشاركة أو بالتعاون مع ما لم يكن هناك أداء ثنائي حقيقي في التسجيل ذاته.
وعلى المصنفين والرقباء في الأجهزة المعنية بالملكية الفكرية في السودان مراجعةُ الشارات المصاحبة للبث والتأكد من مطابقتها للواقع القانوني.
أيضاً على الفنانين المؤدين أنفسهم ألا يقبلوا بصيغة مشاركة أداء في عقودهم مع القنوات أو شركات الإنتاج وأن يُصرّوا على ذكرهم بوصفهم المؤدّين في التسجيل.
كما لا ننسى دور الجمهور والإعلام وعليهم تصحيح هذا العرف البصري الخاطئ بالوعي والنقد لا بالصمت.
وعلى المشرّع السوداني– في أيّ مراجعة مقبلة لقانون حق المؤلف – وأن يُفصل أحكام الحق المجاور للمؤدي بوضوح أكبر وأن ينص صراحة على وجوب نسبة الأداء إلى صاحبه في كل بث أو نشر مع تقرير جزاء على مخالفة ذلك.
إن الأغنية السودانية إرث جمالي وثقافي عظيم لكنّ صيانتها لا تكون بتشويه حقوق من يبدعها ومن يؤديها، فحين نقول لمغنٍّ أفرغ صوته في تسجيل محدد أنت مجرّد مشارك فنحن لا نُخطئ في كلمة نحن نُسقط حقًّا ونكرّس وهماً ونُفقِد القانون معناه. المؤدّي في التسجيل هو المؤدي وليس مجرد شريك ولا ضيف ولا مشاركة أداء، هو صاحب الحق المجاور على هذا الصوت الذي سمعناه وهذا الأداء الذي شاهدناه ومن حقّه – قانونًا وإنصافًا – أن يُكتب اسمه بوصفه كذلك كاملًا بلا انتقاص ولا التباس ولعل أول خطوات الإصلاح أن نكف عن مجاملة اسم قديم على حساب صوت حاضر فالحقُ لا يتقادم بالشهرة ولا يُختزل في مشاركة.
هذا المقال دعوة إلى تصحيح لغوي وقانوني وأخلاقي في آن، عسى أن تجد صدىً لدى القنوات والمشرّعين والفنانين والجمهور.



