البرهان يدير مغامرة الحرب بدافع من أطماع شخصية في السلطة
شباب وكنداكات ثورة ديسمبر المجيدة الأحق بالمشهد السياسي وبالاضطلاع بمسؤولية السلطة

*بقلم: د. مصطفى عثمان إسماعيل*
*”صمود”: لا تبتغي السلام، وإنما تسعى إلى سلطة مطلقة بلا أدنى مشاركة*
إن من مقتضيات الأمانة التاريخية والمسؤولية الوطنية، وقبل الخوض في تفاصيل المشهد الراهن المتفجر، أن نُذكّر الشعب السوداني الأبي، وأن نُذكّر أنفسنا أولاً، بأننا كتيار إسلامي عريض، وكحزب المؤتمر الوطني المحظور، كنا الطرف المبادر الذي وقف بشجاعة أمام المرآة، ومارس نقد الذات بلا تجميل ولا مواربة، وتحدث بجلاء وشفافية عن إخفاقات تجربتنا السياسية والإدارية.
لقد عرضنا داخل أروقة القيادة العليا للمؤتمر الوطني، وبنبرة نقدية صريحة، مواطن الخلل التي اعترت تجربة الثلاثة عقود، من قصور في الأداء الاقتصادي، واختلالات في المسار السياسي، وتعثرات في الملف العسكري. كما انتقدنا بوضوح ظواهر الفساد والمحسوبية، واستشراءهما داخل بنية الدولة. وقد اطلع الرأي العام السوداني على تلك التسريبات التي بثتها قناة “العربية” مع الإعلامي المصري أحمد منصور، والتي تحدث فيها الفقيد الأستاذ الشيخ حسن الترابي، طيب الله ثراه، بتجرد نادر وبجرأة غير مسبوقة عن تجربة حكم الإنقاذ، وطالب صراحة بعدم ترشيح الرئيس عمر البشير. وكان ذلك قول الناصحين الحريصين على سلامة الوطن، لا قول المتآمرين عليه. كما تناولت مداولاتنا حينها القصور الإداري للدولة، وتفشي المحسوبية، وتوسع دائرة الفساد، وملف التصفيات الذي طال كوادرنا وغيرهم، فضلاً عن ملفات الإهمال والتفريط في سيادة الحدود في حلايب وشلاتين وأبورمادة.
ونؤكد اليوم، وبعبارة لا تحتمل التأويل: إن المؤتمر الوطني لا يرنو إلى السلطة، ولا يسعى إلى اختلاق واجهات جديدة يعبر بها إلى الحكم عبر النوافذ الخلفية على حساب إرادة هذا الشعب المكلوم. والحقيقة التي لا مراء فيها أن الذين قاموا بحشد الطاقات وإشعال فتيل الحرب من بين كوادرنا، كان دافعهم الأوحد هو العودة إلى مواقع السلطة. وقد بلغناهم صراحة أن هذا المسلك هو مسلك التدمير الذاتي لتنظيمنا وللوطن، وأن السلطة لن تُنال عبره.
والدليل العملي القاطع على صدق هذا الموقف يتمثل في أن كوادرنا، وحتى على مستوى قطاعات الشباب الحاملة للسلاح ضمن تشكيلات “براؤون” و”البرق الخاطف” وغيرها، قد انصرفت انصرافاً تاماً عن ميادين القتال، بل غادر عدد كبير منهم أرض السودان. وهذا هو البرهان الميداني الدال على جديتنا المطلقة في التزام خيار السلام.
أما الطرف الذي يدير اليوم مغامرة الحرب ومقامرتها، فهو معلوم لدى الجميع. إنه الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بدافع من أطماع شخصية في السلطة. ونحن نؤكد أننا لا صلة لنا بهذا المسار من قريب أو بعيد.
لقد أعلنا موقفنا بشفافية كاملة منذ مراحل التحشيد الأولى لهذه الحرب، بما في ذلك خلال اللقاءات الرمضانية. وكان موقف شخصي الضعيف، والبروفيسور إبراهيم غندور، والدكتور عبد الرحمن الخضر، وعدد من قيادات الصف الأول، موقفاً واحداً وثابتاً: لا للحرب، ونعم للسلام.
وإنني أبدي دهشة بالغة إزاء الموقف الذي تتخذه “صمود” في هذه اللحظة المفصلية: فكيف للجيش أن يعلن التزامه بمبدأ السلام، وأن تتوافق عليه القوى المدنية الفاعلة المتمثلة في الآلية “الخماسية”، ويتوجه الجميع إلى أديس أبابا للقاء “صمود”، ثم تفاجئنا “صمود” برفضها حتى مبدأ الجلوس والتفاوض؟! إن هذا لمنطق استعلاء سياسي فج، واستكبار على الإرادة الوطنية الجامعة لم يسبق له مثيل.
لقد أعطى الجيش والدعم السريع والإجماع المدني الضوء الأخضر لخيار السلام الآن. وبالمقابل، وبحكم الواقع، فإن الطرف الذي يشكل عائقاً واضحاً أمام تحقيق السلام هم “صمود”.
وفي تناقض صارخ لا يمكن تبريره منطقاً ولا سياسة، فإن “صمود” ذاتها هي التي توجه اللوم إلى الجيش على ذات السلوك، وتسدي إليه النصح بضرورة “الجلوس أولاً”. فأي ازدواجية في المعايير هذه؟ وأي منطق معوج يحرم على الآخرين ما يستبيحه لنفسه؟
وبعد أن أوضحنا موقفنا، فإننا نمضي للحديث بكل شفافية عن تعنت “صمود” ورفضها المطلق للإجماع الوطني القائم على عتبات السلام والاستقرار. ولن نطيل الانتظار، ولن نقف مكتوفي الأيدي ترقباً لرضا “سعادة صمود” عن الجيش والدعم السريع وعن الإجماع الوطني الممثل في “الخماسية”.
إننا نرى رأي العين أن الأحق بالمشهد السياسي وبالاضطلاع بمسؤولية السلطة هم شباب وكنداكات ثورة ديسمبر المجيدة. وعليه، فإن أي تصرف من جانبنا في هذا الشأن سيكون منصباً على تسليم مقاليد السلطة لثوار ديسمبر الميدانيين على الأرض، أولئك الذين لم يفروا من فتنة الحرب، ولم يتاجروا بدماء شهداء الشعب السوداني مقابل الحصول على سلطة مطلقة بلا شراكة، تُسلّم إليهم “صرة في خيط”.
ونحن ندرك إدراك اليقين أن جميع من كانوا في صدارة المشهد قبل 15 أبريل 2023، من عسكريين ومدنيين، قد أخفقوا في إدارة المرحلة، وأوصلوا البلاد إلى حافة الهاوية.
لذلك، فإن أي تسليم للسلطة ينبغي أن يكون حصراً لشباب ثورة ديسمبر، مع إبعاد المؤسسة العسكرية والدعم السريع وكل الحواضن الداعمة للحرب، وإبعاد كل الأحزاب والكتل السياسية من دائرة السلطة، وتسليم مقاليد الحكم لشباب ثورة ديسمبر وحدهم.
وإني على يقين تام بأن الطرف الذي سيقف في وجه هذا المقترح الوطني الجامع هي “صمود”. ذلك أن سعيها ليس من أجل السلام ولا من أجل الاستقرار، وليس من أجل ثوار ديسمبر. إن غايتها الوحيدة هي الاستئثار بسلطة منفردة مطلقة، والعودة إلى كراسي الحكم عبر ذات منطق المحاصصة، وإشاعة الانتقام السياسي عبر سلطة قضائية موالية، على نحو ما نشهده اليوم.
لقد دأبت “صمود” على تقديم نفسها أمام الرأي العام الإقليمي والدولي باعتبارها حاملة لواء السلام. ونشهد لها ظاهرياً بذلك في كل المحافل: منبر جدة الأول، ومنبر جدة الثاني، ومنابر جنيف وواشنطن والمنامة وغيرها من المبادرات. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن وراء هذا الحراك الدؤوب يكمن تدبير سياسي محكم، وحقيقة مرة مفادها أنهم يدسون السم في الدسم.
إن كل هذا السعي المنظم ليس إلا مشروعاً ممنهجاً يستهدف شطب خصوم “البندقية” وحواضنهم من المعادلة السياسية. والأخطر من ذلك أن الهدف النهائي يتجاوز ذلك إلى إقصاء شامل لثوار ديسمبر وكنداكاتها من المشهد السياسي برمته، ومحو دورهم التاريخي من الذاكرة الوطنية.
ولنقلها بجلاء لا لبس فيه: إن هذه الأحزاب لن تسمح، نعم لن تسمح حرفياً، ولن تسمح على الإطلاق لشباب ثورة ديسمبر بالتمثيل، فضلاً عن المشاركة الفعلية في المشهد السياسي. ونحن نعلم علم اليقين أن ما يُعرف بـ “أربع طويلة” تتوهم عودة كاملة إلى سدة الحكم، وأنها لن تقبل بأي حال من الأحوال بشراكة حقيقية تُشرك ثوار ديسمبر في صياغة مستقبل البلاد السياسي. وأما ما يروجون له من وصفنا بـ “الفلول” فهو مجرد ذريعة. إن إخوتي الأكارم، “صمود” وعناصر هذه الأحزاب لن ترضى بأن يشاركها ثوار ديسمبر في السلطة، فكيف بها أن تقبل بتسليم السلطة في الفترة الانتقالية للثوار وحدهم، مع إبعاد المؤسسات العسكرية والأحزاب من الحكم؟
إن كل ما يُطلب من الثوار والكنداكات في معادلة “صمود” هو أن يخرجوا في المليونيات والمواكب بصدور عارية في مواجهة الرصاص. وأن يموت من يموت منهم. أما إذا تجرأ أحدهم وطالب بالمشاركة السياسية، حتى ولو في إطار التمثيل في المشهد، فإن “جيوش” الأحزاب الإلكترونية تنهض فوراً على منصات الميديا وفي القروبات، لتعلن أن مثل هذه الدعوات محاولة لشق الصف “المدني”، ثم تمضي في شيطنة صاحب الفكرة واغتياله سياسياً وأخلاقياً.
ولهذا السبب تحديداً، عندما تبادر كل الكتل السياسية والجيش والقوى المناوئة لها، وتجلس معهم في أديس أبابا بحثاً عن مخرج لوقف الحرب، يتعالون على هذه المبادرات الوطنية الخالصة. ولماذا؟ لأن هذا الجمع يطالب بإشراك كل القوى السياسية، بل وحتى شباب ثورة ديسمبر، في المشهد السياسي القادم.
وللأسف الشديد، ترفض “صمود” هذا المنحى الوطني الجامع، وتصر إصراراً عنيداً على خيارين لا ثالث لهما: إما إطالة أمد الحرب إلى ما لا نهاية، وإما تسليم السلطة إليها كاملة غير منقوصة، بلا أي مشاركة، حتى ولو لثوار ديسمبر، أي سلطة مطلقة على نحو ما كان من قبل.
*شهادتي لله وللوطن*



