الأعمدة

ردًّا على مقال الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل… مع الاحترام والتقدير.

قرأت بتمعن واهتمام المقال اللافت للدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، الوزير الأسبق في عهد الانقاذ والذي قد يُصنَّف ضمن سرب الحمائم داخل منظومة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول.
وبغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا مع مجمل ما ذهب إليه الرجل، أو بعضه، فإن من الإنصاف أن نؤكد على بعض الجوانب الإيجابية فيما أشار إليه، وبقدرٍ من الشجاعة النادرة، من تشريح لمواضع الفشل الذريع في حقبة الإنقاذ، وما صاحبها من فساد ومحسوبي وتمكين اقصائئ وانتكاسات عسكرية، وعزلة إقليمية ودولية، ونكوص اقتصادي ما تزال آثاره ماثلة حتى اليوم.
غير أن حديثه عن أن الانتقاد لتلك الجوانب السالبة جاء بقصد تعرية تلك التجربة الماحقة، يجافي الحقيقة؛ إذ إن ما عُرف من تلك الانتقادات كان يدور خلف الأبواب المغلقة، ولم يصل إلى الرأي العام إلا عبر ما تسرب خلسة من خلال قناة العربية، ولم يكن منشورًا بإرادة اصحابه، بل شكّل تسريبه مفاجأة مدوية وصدمة مؤلمة لكثير من عناصر التيار الإسلامي، وحتى للمؤتمر الوطني الذي أقر الدكتور مصطفى نفسه في المقالة المشار إليها بأنه أصبح محظورًا بالفعل !
كما أن استشهاده باعترافات الدكتور حسن الترابي، رحمه الله، في شهادته أمام الأستاذ أحمد منصور، جاء بعد فوات الأوان. فعرّاب التجربة الأول لم يتقدم باعتراف يحمل المسؤولية الكاملة بقدر ما بدا وكأنه يصفي حساباته مع بعض تلامذته الذين باعوه في سوق الخلافات السياسية والصراع على السلطة والمصالح الضيقة، أكثر من كونه مراجعة حقيقية لمسار التجربة في ذروة سلطانه وهو يقود سفينة الإنقاذ. ولعل الرجل أراد أن تُبث تلك الحلقات بعد وفاته تحسبًا من ردود تلامذته، مدنيين وعسكريين، خشية أن يلقوا بكامل المسؤولية عليه ويقوضوا صورته وهو على قيد الحياة.
ولعل أكثر ما استوقفني في مقال الدكتور مصطفى اعترافه بأن من أشعلوا الحرب هم عناصر من الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، رغم أنه قال إنه، ومعه الدكتور إبراهيم غندور والدكتور عبد الرحمن الخضر، كانوا قد حذروهم مسبقًا من مغبة ذلك المسار الذي يهدد استقرار البلاد وسلامة العباد.
بل أورد حديثًا بالغ الخطورة عن انسحاب بعض شباب التيار الإسلامي، ومن بينهم ما عُرف بـ”البراؤون” وغيرهم من المستنفرين، من ميادين القتال بعد أن اقتنعوا بعدم جدوى هلاكهم في أتون الحرب، التي قال إن الفريق البرهان وجيشه يتحملون تبعات الإصرار على استمرارها.
أما فيما يتعلق بهجومه على “صمود”، فلست في مقام من يملك حق الدفاع عنها؛ فهي أدرى بالرد على ما أورده بشأنها، وما نسبه إليها من أحلام بالعودة إلى السلطة عبر سلام إقصائي يستبعد الآخرين، ويقوم على تحييد طرفي الصراع العسكري، ورفض مشاركة حتى شباب ثورة ديسمبر، مع دعوته إلى تسليم السلطة لهم دون سائر القوى المدنية. وهي، في تقديري، إشارات تستهدف استدرار عاطفة أولئك الشباب في غير أوانها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم يقل الدكتور مصطفى هذا الكلام قبل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر أو بعده، حين كان الإسلاميون يحفرون تحت أقدام القوى الثورية حتى نجحوا في تمزيق صفوفها وإضعاف حكومة الفترة الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، سواء أصابت أم أخطأت؟
بل إننا لم نسمع الدكتور مصطفى، ولا غيره من قيادات حركته، يدينون طريقة فض الاعتصام البشعة ما تعرض له أولئك الشباب من قتل وسحل وإلقاء بعضهم مكتوفي الأيدي في أعماق النيل، ولم ينبسوا ببنت شفة وهم يشاهدون أجهزة القمع تواجه مظاهرات الشباب الرافضة لانقلاب البرهان وحميدتي، وهو الانقلاب الذي عملت جماعتهم على إنجاحه، واستقبلوه بالترحيب والتهليل، رغم أنه كان أحد أبرز الأسباب التي مهدت الطريق إلى هذه الحرب اللعينة.
والله المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى