الأعمدة

“فتحنا لهم قلوبنا قبل بيوتنا.. فأغلقوا في وجوهنا الأبواب: سوريا والسودان وجزاء الإحسان”

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
حين اشتعلت الحرب في سوريا وتدفّق الملايين هرباً من الموت، لم تكن أغلب الدول العربية مستعدة لفتح حدودها بلا قيود. لكن السودان كان استثناءً نادراً في هذا المشهد: دخله السوريون دون تأشيرة، وفتحت لهم البيوت السودانية أبوابها قبل أن تفتح لهم أي سفارة ختمها. لم يكن ذلك مجرد تسهيل إداري عابر، بل تعبيراً عن ثقافة استقبال أصيلة، رأت في اللاجئ السوري ضيفاً لا رقماً، وأخاً لا عبئاً.
“حين أعطى السودان أكثر مما يملك”
لم يكتفِ السودان بفتح حدوده، بل تجاوز ذلك بكثير. فقد لجأ عدد من السوريين، عبر قنوات رسمية وأخرى غير رسمية، إلى الجنسية أو جواز السفر السوداني، ليعبروا به إلى بلدان أوصدت أبوابها تماماً أمام جوازهم الأصلي. تحوّل الجواز السوداني، بالنسبة لكثيرين منهم، إلى طوق نجاة نحو دول الخليج وغيرها بحثاً عن عمل واستقرار، في وقتٍ كان فيه حاملو الجواز السوري ممنوعين من دخول معظم الدول العربية بجوازهم الخاص.
هذا الكرم لم يكن بلا ثمن على السودان نفسه، إذ فتح الباب أمام استغلال البعض لهذه الثقة، وأثار لاحقاً أزمات تتعلق بجوازات صدرت، كما قيل، بطرق غير قانونية. لكن يبقى الدافع الأصلي وراء هذا الانفتاح نابعاً من إحساس أخوي صادق، لا من حسابات مصلحية ضيقة.
“سوريا الجديدة.. وباب يُغلق في وجه من فتحه لها”
اليوم، ومع تشكّل الإدارة السورية الجديدة وإعادة صياغة منظومة الدخول والتأشيرات، باتت إجراءات دخول القادمين من الخارج أكثر تشدداً وتقييداً. شمل ذلك فرض رسوم تأشيرة متفاوتة بين الجنسيات، إضافة إلى اشتراط موافقات أمنية مسبقة على بعضها قبل السماح لها بدخول الأراضي السورية. وقد شهدت الأشهر الماضية موجة غضب واسعة على منصات التواصل بين السودانيين والمصريين والسعوديين والعراقيين، بعد أن فوجئوا برسوم دخول مرتفعة، رآها كثيرون تناقضاً صارخاً مع ما قدمته بلدانهم للسوريين مجاناً خلال سنوات الحرب.
والمفارقة المؤلمة أن دمشق، التي كان مواطنوها يدخلون السودان دون تأشيرة ودون أي عائق أمني يُذكر، باتت اليوم تطالب أبناء البلد الذي احتضنهم بإجراءات وموافقات أمنية مسبقة، تماماً كما تفعل دول أخرى تضيّق اليوم على السودانيين الفارّين من حربهم.
“هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟”
سؤال يحمل أسى أكثر مما يحمل استنكاراً، ويفرض نفسه على كل من يتابع هذا الملف. فالسودان لم يمنّ على أحد، ولم يشترط على السوريين مقابلاً لكرمه، لكنه كان يأمل، ولو بلا وعي، أن تُروى هذه الأخوّة حين تصفو الأحوال، لا أن تُطوى عند أول استقرار.
ومع ذلك، من الإنصاف أن يُقال بوضوح: من حق أي دولة، بما فيها سوريا، أن تضع لدخول أراضيها ما تشاء من شروط وضوابط أمنية، فهذا شأن سيادي لا جدال فيه، خصوصاً في ظل ظروف أمنية داخلية دقيقة تمر بها البلاد بعد سنوات من الحرب والفوضى. ولا يجوز أن تُحمَّل سوريا “جحوداً” لمجرد أنها تنظّم حدودها كما تفعل كل دول العالم.
“الدرس الذي يجب أن يتعلمه السودانيون”
لكن على السودانيين أنفسهم أن يستوعبوا هذا الدرس القاسي جيداً: علاقات الشعوب، مهما بلغت من صدق ودفء في لحظة معينة، لا تُبنى عليها حسابات الدول السياسية والأمنية المستقبلية. فالحكومات تتغير، وتتغير معها الأولويات والمصالح، والمشاعر الشعبية وحدها لا تضمن معاملة بالمثل. آن الأوان أن يتعامل السودان مع محيطه بعقل الدولة، لا بقلب الأخ الكريم وحده، أن يوازن بين كرمه الأصيل الذي هو جزء من هويته، وبين حرصه على مصالحه الوطنية ومواطنيه، بالمنطق ذاته الذي تتعامل به الدول الأخرى معه اليوم.
الإحسان قيمة لا تُشترى ولا تُستبدل، وما قدمه السودان للسوريين يبقى فخراً له لا يُمحى، مهما جاءت الردود. لكن حكمة الأمم تقتضي أن يبقى القلب مفتوحاً، وأن يبقى العقل يقظاً في آن واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى