الأعمدة

بين ياسر العطا… وياسر العطا‼️ كيف فضحت التصريحاتُ التصريحاتَ؟ في السياسة…

قد ينجح المسؤول في تغيير خطابه... لكن لا يستطيع أن يغيّر التاريخ

.
لذلك…
كلما حاول بعض الساسة إعادة كتابة الماضي، أعادتهم الوقائع إلى نقطة البداية.
في الأيام الماضية، خرج الفريق أول ياسر العطا ليقول إن محمد حمدان دقلو (حميدتي) وشقيقه كانا عضوين في مجلس شورى نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية.
وقبلها، أعلن الفريق أول البرهان أن أي حوار سياسي لن يشمل المؤتمر الوطني.
وللوهلة الأولى، قد تبدو هذه مجرد تصريحات سياسية.
لكن عندما نضعها في سياقها التاريخي، تظهر أسئلة لا يمكن تجاهلها.
بعد سقوط نظام الإنقاذ…
لم يكن حميدتي خصمًا للمؤسسة العسكرية.
بل كان شريكها الأول.
اختاره البرهان نائبًا لرئيس المجلس العسكري الانتقالي.
ثم أصبح نائبًا لرئيس مجلس السيادة.
وظلت هذه الشراكة قائمة سنوات، وكانت كل أجهزة الدولة، العسكرية والأمنية والاستخبارية، تعمل تحت هذه القيادة المشتركة.
فإذا كان ياسر العطا يقول اليوم إن حميدتي وشقيقه كانا من مجلس شورى الحركة الإسلامية…
فهل كانت هذه الحقيقة مجهولة لقيادة الجيش طوال تلك السنوات؟
وهل كانت الاستخبارات العسكرية عاجزة عن معرفة الخلفية السياسية لأقرب شريك لرئيس المجلس العسكري ثم لرئيس مجلس السيادة؟
هذا سؤال مشروع.
لكن الأمر لا يقف هنا.
فبعد اندلاع الحرب، خرج الفريق ياسر العطا، بصفته الرئيس السابق للجنة إزالة التمكين الخاصة بالقوات المسلحة، وقال إن الضباط الذين كانت لهم علاقة بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني قد أُنهيت خدماتهم من الجيش، ثم قامت قوات الدعم السريع بعد ذلك باستيعابهم.
وهنا يبرز تناقض آخر.
إذا كانت قيادة الجيش تعلم -بحسب رواية ياسر العطا- أن الدعم السريع استوعب الضباط المحسوبين على الحركة الإسلامية…
وإذا كانت تعلم -بحسب روايته الجديدة- أن قائد الدعم السريع نفسه وشقيقه كانا عضوين في مجلس شورى الحركة الإسلامية…
فكيف استمرت تلك الشراكة السياسية والعسكرية سنوات؟
ولماذا لم تصبح هذه الوقائع قضية إلا بعد أن تحول الشريكان إلى خصمين؟
ثم هناك واقعة أخرى لا ينبغي تجاوزها.
ففي عام 2022، صرح الدكتور أمين حسن عمر، وهو من أبرز قيادات الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، بأن الفريق أول البرهان كان رئيسًا للمؤتمر الوطني في نيرتتي.
وهذه ليست شهادة صادرة عن خصوم الحركة الإسلامية…
بل عن أحد أبرز قادتها.
وهنا تتجمع الوقائع في مشهد واحد.
ليست القضية أن حميدتي كان من الحركة الإسلامية أو لم يكن.
وليست القضية أن البرهان كان قريبًا من المؤتمر الوطني أو لم يكن.
القضية الحقيقية هي:
لماذا يُعاد تقديم هذه الروايات الآن؟
هل اكتشفت قيادة الجيش، بعد سنوات من الشراكة، ما كانت تجهله؟
أم أن تغير البيئة السياسية، داخليًا وخارجيًا، فرض خطابًا جديدًا يحاول أن يعيد رسم خطوط العلاقة مع نظام الإنقاذ؟
لا أملك الإجابة…
ولا أريد أن أقدمها للقارئ.
لكنني أملك الوقائع.
وأملك التصريحات.
وأملك التسلسل الزمني للأحداث.
أما النتيجة…
فأتركها لكل قارئ منصف.
لأن التاريخ لا يكتبه المنتصر…
ولا يكتبه المهزوم…
وإنما تكتبه الوقائع، حين تُقرأ بترتيبها الصحيح..

زر الذهاب إلى الأعلى