
عبد الكريم البليخ
لا يخلو مجتمع من المجاملات، ولا عيب في كلمة طيبة تُقال في وقتها، أو ثناء صادق يُمنح لمن يستحقه. لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول المجاملة إلى نفاق، والنفاق إلى صناعة متكاملة لتضخيم أشخاص لا يملكون من القيمة إلّا ما يقوله عنهم المحيطون بهم.
هنا يبدأ الزهو.
والزهو ليس ثقة بالنفس كما يتوهم بعض أصحابه، بل تضخم مرضي في صورة الذات، وانفصال تدريجي عن الحقيقة. فالزاهي لا يرى نفسه كما هي، بل كما يريد للآخرين أن يروه، والأسوأ أنّه يُصدق هذه الصورة المصطنعة حتى يُصبح أسيراً لها.
تراه في المجلس ينتظر الإطراء، وفي الحديث يبحث عن فرصة ليقحم اسمه وإنجازاته، وفي مواقع التواصل يترقب عدد المادحين أكثر ما يهتم بقيمة ما ينشر. وإذا غاب المديح، ضاق صدره، وإذا حضر النقد، ثار واتهم الناس بالحسد والغيرة وسوء النية.
والزاهي لا يريد من حوله أصدقاء صادقين، بل جمهوراً من المصفّقين.
لهذا يلتف حوله المنافقون، لأن كلاً من الطرفين يحتاج إلى الآخر. المنافق يبحث عن منفعة، والزاهي يبحث عمن ينفخ صورته. الأول يبيع الكلام، والثاني يشتري الوهم. وهكذا تنشأ علاقة مريضة عنوانها المصالح، ووقودها المبالغة، ونتيجتها شخص يتوهم أنه أكبر من حجمه بكثير.
جرّب أن تقول لأحد هؤلاء إنه عبقري، وإن ما يفعله لا يفعله سواه، وإن الناس جميعاً تتحدث عنه، وستراه يبتلع الكلام بنشوة كاملة، مهما كان بعيداً عن الحقيقة. أما الإنسان المتزن، فإنه يخجل من المدح إذا تجاوز حده، وربّما يوقف صاحبه قائلاً: كفى، فأنا أعرف نفسي.
وهنا يكمن الفارق.
الإنسان السوي يحتاج إلى الحقيقة، أما الزاهي فيحتاج إلى الوهم.
والأخطر أنَّ الزهو لا يقفُ عند حدود الإعجاب بالنفس، بل يتحوّل مع الوقت إلى استعلاء على الآخرين، واستخفاف بقدراتهم، ومحاولة دائمة لتصغيرهم حتى يبدو صاحبه أكبر. ولهذا فإن كثيراً من المتعجرفين ليسوا أقوياء كما يبدون، بل هشّون من الداخل، يحتاجون كل يوم إلى جرعة جديدة من المديح كي تستمر صورتهم الوهمية.
ولذلك قيل بحق: «من مدحك بما ليس فيك فقد ذمّك».
فالمديح الكاذب ليس تكريماً، بل إهانة ناعمة، والنفاق ليس احتراماً، بل صفقة رخيصة. وما أحوجنا إلى أن نتعلم الفرق بين الثقة والزهو، وبين التقدير والتملق، وبين من يرفعنا بالصدق ومن يدفعنا إلى السقوط بكثرة التصفيق.



