الأعمدة

حتى لا يصبح حواراً «يغلب» سيده!

( موطيء قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
قد يختلف مضمون هذا المقال قليلاً، في معناه المباشر، عن المثل الشعبي الشهير: «الحوار الذي غلب شيخه»؛ أي أن يتفوق التلميذ على معلمه، ويعجزه بقوة منطقه الذي تعلمه منه ذات يوم!
غير أن استخدام العبارة هنا يأتي على سبيل التورية، في إشارة إلى إرهاصات ظلت تشغل الأسافير، وتتصدّر الأخبار هذه الأيام، وتتحدث بنبرة تتصاعد حيناً وتخفت حيناً آخر عن نية السلطة الحاكمة حالياً، والتي يمثل سقفها وحجر زاويتها وعمود ارتكازها الأوسط الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
ولا يبدو، وفق ما يرشح من المشهد، أن للرجل شريكاً فيما يفعل، أو أنه يستشير أحداً فيما يقول؛ فيغضب هذا الفريق بتصريح على الهواء، ثم لا يلبث أن يتراجع عنه أو يستبدله بآخر، فيقلب به ظهر المجن على فريق سياسي آخر، حليفاً كان أم معارضاً.
وفيما يرى بعض المحللين أن الرجل، بما يمسك به من خيوط السلطة عسكرياً وتنفيذياً، يلعب على فرضية كسب الزمن، وإرباك بقية اللاعبين في مربع المشهد، أملاً في إحراز «هدف الدقيقة الأخيرة» ـ حسب التعبير الرياضي ـ فإن الأمر يظل محفوفاً بالكثير من الأسئلة!
فالحديث عن الحوار الذي دعا إليه الرجل يبدو مثالياً في ظاهره، لكنه لم يحدد بوضوح مضامينه الجوهرية، ولا ترتيب أجندته، ولا حتى بصورة قاطعة من هي العناصر التي ينبغي أن تُدعى إليه، ومن هي التي يجب أن تُستبعد من حضوره.
وهنا يصبح الأمر، كما يقول المثل السوداني، أشبه بـ «عزومة المراكبية»؛ إذ كيف يمكن أن يستقيم حوار لا يكون إيقاف الحرب مدخله الأوسع والأول؟
فالحوار في بلد تتصاعد فيه ألسنة الحرب، وتشتعل فيه نيرانها في أكثر من طرف، لا يمكن أن يبدأ بتجاوز السؤال الأكبر: كيف نوقف الحرب أولاً؟
ومن ثم، فإن جدوى الدعوة إلى الحوار تظل موضع تساؤل، إذا كان من يلوّح بها وسط قيامة الدخان المشتعلة في عدد من أرجاء البلاد، عاجزاً عن إيصالها حتى إلى أول الشوط، ناهيك عن افتراض بلوغها خط النهاية!
وإلا فإن الإصرار على الحوار في مثل هذه الأجواء يصبح أشبه بـ وضع عربة الحرب أمام حصان السلام؛ ومن الطبيعي، والحال كذلك، ألا تتحرك عجلة الحوار قيد أنملة.
فالسلام لا يُستدعى إلى قاعة حوار بينما الحرب لا تزال تمسك بمفتاح الباب.
والأهم من كل ذلك، أن الحوار الذي يُراد له أن يكون مخرجاً من الأزمة، ينبغي ألا يتحول ـ من حيث لا يُراد ـ إلى أزمة جديدة، أو إلى حوار «يغلب» سيده، فيصبح بدلاً من أن يكون وسيلة لإنقاذ الوطن، سبباً آخر في إطالة الطريق إليه.
والله من وراء القصد .

زر الذهاب إلى الأعلى