
حديث الذكريات ..
تعود بى الذاكره الى منتصف السبعينات من القرن الماضى ..كنت وقتها اتلقي التعليم بموسكو عاصمة الاتحاد السوفيتى ذاك بكل ما كان يعنى من تاريخ وقصص واحاجى…
في ذلك الزمان تم اختيارى لمنتخب جامعات المدينه هناك لكرة القدم ..وكان ذلك مصدر فخر لي لانه يميزنى بين أقراني الطلاب.
لم اكن اعرف تحديدا كم عدد الجامعات بالمدينه ولكنى كنت اعرف ان عدد سكان المدينه يتراوح بين ٨ الى ٩ ملايين يزيد او ينقص حسب حركة التنقل بين العاصمة والارياف..ولك ان تحاول التخمين!
ماكنت اعرفه ايضا هو ان منتخب الجامعات لكرة القدم كان يحظى بقدر كبير من الاحترام والتقدير من قبل المشرفين الرياضيين آنذاك..لانه في واقع الامر كان يضم نجوما من مختلف القارات وخاصة من افريقيا وامريكا اللاتينيه..
وبالنسبة لى كان ذلك شرفا كبيرا لاننى بتلك الصفه كنت احد الاشخاص القلائل الذين تسني لهم لقاء كبار رموز الرياضه بالبلاد فكنت اتلقي بصفة راتبه الدعوات لحضور تكريم هؤلاء الكبار امثال حارس المرمى الروسي الأسطورى ليف ياشين مثلا ..
واين ؟
في داخل قاعات الكرملين !!
كنا نتمرن مرة او مرتين في الاسبوع كحد اقصى مراعاة لظروفنا كطلاب علم نمارس كرة القدم كهوايه ضمن اهتمامات اخرى ايضا كالموسيقى والمسرح و كانوا يهدوننا بطاقات اكراميه لحضور مهرجانات السيرك والاكروبات العالميه وما الى ذلك..بالاضافة بالطبع الى متابعة نشاطنا الاكاديمى وهو سبب تواجدنا هناك..
في خضم كل تلك الاهتمامات متعددة الاشكال كانت تهمنى ايضا انيوتا..( معى هنا في الصوره بملعب الجامعه بين شوطي مباراة)…
كانت تتصل بي قبل نهاية كل اسبوع لتعرف اين انوى قضاء فترة راحتى واستجمامى ورياضتى في نهاية الاسبوع وتحديدا صباح الاحد من كل اسبوع.
( مبارياتنا في منافسات كرة القدم كانت تجرى صباح الاحد من كل الاسبوع اذا كانت بالملاعب الخارجيه..وفي الصالات المغلقه في امسيات بقية ايام الاسبوع)..
ولتعرف اين وكيف ستلتقينى وكيف يمكنها حضور اى مباراة اشارك فيها..
لانها كانت تحدد خط سيرها بناء علي تلك المعلومات ..
كانت تصر علي والديها وبشكل جاد لا تهاون فيه علي احضارها الى اى ملعب العب فيه مهما بعد عن منطقة سكنهم.
في الواقع لست متاكدا من انها في عمر اربعه او خمسه سنوات كانت قادرة علي فهم وتذوق لعبة كرة القدم بكل متطلبات معرفتها وقوانينها ومسببات الاثاره فيها ، ولكنى كنت حين اسجل هدفا اعدو نحوها وهى ايضا كانت تغادر مكانها بجانب والديها وتجرى نحوى لتلتقينى عند خط الملعب الجانبي وهناك اتلقي التهانى منها في شكل قبلة منها علي خدى ثم تركض عائدة الى والديها في نشوة وحبور والكل في الملعب وخارج الملعب كان يتابع هذه المشاهد مذهولا..!
ثم انها كانت تصر علي قضاء فترة الراحة بين شوطى المباريات التى اشارك فيها معى ..وبالوضع الذى تراه في الصوره ..!!
حسنا ..هى لم تكن ابنتى..
وقد كانت طوال الوقت تجلس بين والديها ولا تغادرهما الا لتحيتى وتهنئتى ثم تعود اليهما ..
وكان واضحا انها طفلة روسيه وانا افريقي اجنبي الملامح..
اذن لابد من ان هناك علاقة ما كانت تربطنى بها وهذا ماكان يزيد من همهمات الحضور في تعجب..!!
العلاقه في حقيقة الامر بيننا كانت قد بدأت بالسودان وفي الخرطوم مكان ولادتها ..!
كانت انيوتا هذه ابنة مدير المركز الثقافى السوفيتى وقد ولدت بالخرطوم..
اما انا فقد قدر لي ان يتم ترشيحى لمقعد دراسي من قبل المركز الثقافي آنذاك وفق اتفاقية وبرتوكول اكاديمى بين الحكومتين السودانيه والسوفيتية ينص علي تخصيص خمسة مقاعد سنويا لطلاب المركز المتفوقين.
انتظمت في دراستى بالمركز في فترة كنت اشعر فيها بامكانية الجمع بين النشاط الرياضى بنادى الهلال والنشاط الاكاديمي المتمثل في متابعة دروس اللغة الروسيه بالمركز تمهيدا للمغادرة فيما بعد الى روسيا لمواصلة الدراسه وكان الهدف من ذلك عدم ضياع كل شهور السنه والاستفادة من تعلم اللغة الروسيه بالسودان.
ذات مره قال لي ليونيد والد انيوتا :
اراك تولي اهتماما كبيرا للغة الروسيه وتتحسن فيها بشكل سريع لذا اقترح عليك ان تحضر الى المركز في ايام حصص اللغه في وقت مبكر ..انا ساكون مشغولا بالاعمال الاداريه ولودميلا زوجتى عادة تقوم بالاعباء المنزليه في ذلك الوقت ، بينما انيوتا الصغيره تقضى معظم الوقت متذمرة من قلة الاهتمام بها..!
ما رايك في ان تحضر انت وتقضى هذا الوقت معها ..؟
هى لم تدرس قواعد اللغه لانها في الثالثة من عمرها لكنها ستتحدث معك طبعا بطريقة صحيحه وبدون اخطاء وعليك انت الاستفاده من الحوار معها!
صدقنى خلال فترة وجيزه ستتمكن انت من اللغة الروسيه وستجيدها ايضا بطلاقة .. لابد ان تكون قد لاحظت ان اللغة الروسيه تتميز بانها لا تتغير .بتغيير مواقع التواجد …بمعنى انه بوسعك استخدام نفس المفردات والتعابير في البيت وفي الشارع وفي الاسواق وفي المواصلات وفي قاعات المحاضرات ..ما رأيك فيما قلت؟
قلت له حسنا انا علي استعداد..
وفعلا اصبحت تلميذا لأستاذتي انيوتا وهى في الثالثة من عمرها وكانت تطيل الحديث معى وتغنى لى احيانا ..وانا اشحذ ذهنى لابتكر لها من الالعاب وارسم لها من الاشكال الملونه مايثير اعجابها وضحكاتها ..
وهكذا اصبحت برامجنا غاية في البهجة والامتاع لى ولها واصبحنااصدقاء..نقضى معظم وقتنا سويا الى جانب حوض السباحه الملحق بالمركز الثقافى بالخرطوم ..
وفعلا خلال عدة اسابيع فقط اصبحت قادرا علي سرد حتى النكات باللغه الروسيه وفي اخر العام الدراسي احرزت اعلي الدرجات في امتحان اللغة وساعدنى ذلك ايضا في اختصار عام كامل اى السنة الاولى والتى تسمى بسنة اللغه حيث تم قبولى بالجامعه مباشرة بالسنه التى تليها بعد اجتيازى للامتحانات المقرره …!
كانت انيوتا مع والديها باستاد الهلال
في يوم شديد الزحام ..يوم جرى فيه لقاء بين الهلال وفريق اوروبي زائر..
بقي ذلك اليوم في ذاكرتها الصغيره ..
فقد شاهدت كيف كانت الجماهير تتعامل معى وتتحلق حولى وتهتف باسمى وفهمت اننى نجم رياضى كبير ولي جمهور يحبنى بالسودان ..
بعد تلك الاحداث بعدة اشهر غادرت انا الى موسكو للدراسه وخلال شهور ايضا وبعد ان انتهت فترة عمل ليونيد بالسودان عاد هو الاخر مع اسرته الى موسكو..
ولك ان تتخيل مدى سعادتى وسعادة انيوتا حين التقينا هناك ..
ذلك كان سر العلاقة بيننا والذى كان يثير فضول المتفرجين حيثما كنا !..
ربما تكون آنيا قد اصبحت الان جده وهى تلاعب احفادها الان في ساحة ما من ساحات موسكو الكبيره التى تعج بالاطفال ولا تدرى اننا نحكى عن طفولتها هى..!
محمد حسين كسلا
دبي اكتوبر ٢٠٢٤



