


سعادة الوالي، أُراسلكم من موقعي الإعلامي، وقد تشارفنا اللقاء مِراراً في محافل صحافية ومناسبات مهنية شتّى إبان عهود العمل الصحفي المحلّي. سلف أن خاطبتكم حول مكابدات أهل بحري ومُناهم المعلّقة، وإنصافاً لكم، فقد رأيت فيكم سرعة الانتباه والمبادرة بالحضور الميداني حيثما دعت الحاجة. غير أن الأمر اليوم يستدعي التساؤل: أيّ تحوّل طرأ بعد المحنة؟ وما بال بحري تذوق مرارة التهميش وحدها دون شقيقاتها من مدن العاصمة؟
يبدو أن السلطات الولائية تعاني من قصور في الرؤية الاستراتيجية، وكأنها تعتنق مفهوماً هندسياً مبتدعاً يُسمّى “المثلّث مبتور الضلع”، إذ رغم أن العاصمة القومية تتشكّل من ثلاث مدن متكاملة، وأن بحري تمثّل أحد أركانها الأساسية، فإنها تواجه إقصاءً ممنهجاً وتناسياً مقصوداً، وكأنها مستعمرة نائية في أرض بعيدة. هذا التجاهل المريب يُثير إشكاليات جوهرية حول مبادئ العدالة في توزيع الاهتمام الحكومي والموارد العامة، لا سيّما أن بحري احتلّت عبر التاريخ مكانة محورية كمركز تجاري وثقافي عريق، وأسهمت بدور فاعل في صياغة الهويّة الحضارية للعاصمة المثلّثة.
منذ انطلاق شرارة الصراع الأولى وحتى هذه اللحظة، تكابد مدينة بحري ظروفاً معيشية قاهرة لا تليق بعراقة تاريخها ومكانتها الحضارية، حيث تبخّرت مقوّمات الحياة الأساسية جرّاء انقطاع شرايين المياه والطاقة الكهربائية انقطاعاً تاماً، بينما تشهد شقيقاتها من مدن العاصمة انتعاشاً تدريجياً في استعادة هذه الخدمات الحيوية. هذا التباين الصارخ يُلقي بظلال من الريبة حول معايير الأولويات الحكومية ومدى التزامها بمبدأ المساواة بين مكوّنات العاصمة القومية، في الوقت الذي تتفاقم فيه المحنة البيئية والصحية التي تجتاح المدينة بوتيرة متسارعة.
لقد اجتاحت بحري موجة عارمة من تكاثر الحشرات الضارّة والبعوض الناقل للأمراض، مما أفضى إلى تفشّي داء الملاريا وحمّى الضنك بصورة وبائية مُروّعة، والأنكى من ذلك إصابة أفراد متعدّدين من الأسرة الواحدة بهذه الآفات المُهلكة، في ظلّ غياب شبه تام للرعاية الصحية وخدمات الطوارئ الطبية. تحوّلت مجاري المدينة إلى برك راكدة تعجّ بالحشرات الناقلة للعدوى، بينما تقف الأجهزة المحلية موقف المتفرّج السلبي أو ربما الغافل عن هذه المأساة الإنسانية، مما أورث معاناة يومية متشعّبة الأوجه حوّلت الحياة في بحري إلى ضرب من العذاب المتواصل.
فالمريض في ربوع بحري مُلزم بالارتحال نحو أم درمان التي تحظى بعناية استثنائية من الإدارة الولائية، فراراً من مصير صحي محتوم العواقب، وقد تساقط ضحايا جمّة على طريق هذا البحث المضني عن الشفاء، منهم من لفظ أنفاسه الأخيرة في رحلة التماس العلاج، ومنهم من يقبع في انتظار دوره في طابور الموت البطيء. كذلك فإن الراغب في قضاء حوائجه التجارية مُضطرّ لقصد البقعة عبر جسر الحلفاية بأكلاف مضاعفة للمواصلات، وذلك في ظلّ أزمة مالية خانقة نجمت عن فقدان مصادر الرزق وتعطّل الأنشطة الاقتصادية، بل حتى الباحث عن ومضة أمل في غياهب اليأس عليه التوجّه صوب أم درمان لعلّه ينال شرف شحن جهازه النقّال، كأمنية بسيطة غدت عسيرة المنال في ظلّ الظلام الدامس الذي يلفّ المدينة.
انقلبت مدينة بحري العتيقة مع هبوط الليل إلى مدينة أشباح مهجورة، حيث تتوارى معالم الحياة الطبيعية لتنفرد “أوركسترا الضفادع” بالهيمنة على فضاء المدينة عبر سيمفونية من النقيق والنعيق المتواصل حتى انبلاج الفجر، وكأن هذا العزف المؤذي لا يكفي، تبرز مع خيوط النهار الأولى كتائب من البعوض المُنقّط حامل فيروس حمّى الضنك، والتي أحبطت كافة مساعي المواطن البسيط ومحاولاته في صدّ عدوانها الشرس. هذا المشهد العبثي يُذكّرنا بأفلام الرعب، غير أنه واقع مُعاش يكابده آلاف المواطنين يومياً دون أن يجدوا مُنصتاً لصرخاتهم أو مُلتفتاً لمحنتهم، الأمر الذي دفع بأهل بحري للانتقال من دائرة التذمّر الخفيّ إلى المجاهرة بالاحتجاج على تعمّد السلطات تهميش مدينتهم.
كلّ مواطن يسرد مبرّراته ورؤيته لتأكيد ما يعتقده السبب الجوهري وراء هذا التهميش والنكران المقصود، فثمّة من يُرجع الأمر إلى حسابات سياسية ضيّقة الأفق، وآخرون يعتقدون في وجود تمييز جغرافي أو طبقي، بينما يُشير فريق ثالث إلى ضعف التمثيل السياسي للمدينة في دوائر اتخاذ القرار. وفي خضمّ هذا كلّه، نؤكّد بأننا لسنا معارضين لعودة أبناء بحري إلى حاضنتهم الأم، بل نحثّ على ذلك بقوّة، إذ إن ابن بحري كالسمكة لا يقوى على الحياة بعيداً عن مياهه العذبة وشواطئه الأليفة.
والمؤكّد أن حياة البحراوي خارج محيطه الطبيعي تؤشّر على أمر واحد لا ثاني له: إما اغترابه الروحي والنفسي أو زواله التدريجي من الوجود، لكن العودة ينبغي أن تكون إلى مدينة جديرة بالعيش الكريم، لا إلى أطلال تعجّ بالأدواء والأوبئة. لقد لبّى عدد محدود من أبناء الأحياء العريقة نداء العودة لدواعٍ متباينة، معظمها عاطفي أو قسري، بيد أن الموازنة بين الأماكن التي قدموا منها وبين واقع الإقامة في بحري الراهن تُرجّح كفّة الرحيل ومفارقة المدينة مجدّداً، فهي الآن واقعة تحت هيمنة إمبراطوريات البعوض والذباب والضفادع، متزامنة مع الغياب الفاضح للأجهزة المحلية والعجز المُطبق عن تقديم العون الطبي أو الإغاثي.
هذا الواقع المرير جعل من العودة إلى بحري مجازفة محفوفة بالمخاطر الصحية والمعيشية، وقد استمعت بالأمس القريب إلى شكاوى مُؤلمة من عدّة أُسر عريقة عادت من رحلة النزوح، وللأسف البالغ فقد عزمت على هجر بحري مرّة أُخرى والتماس مساكن مؤجّرة بمناطق السامراب والدروشاب وسواها، حيث تتوافر خدمات إمداد الطاقة والمياه وينحسر انتشار البعوض القاتل، وهذا يعني أنهم استبدلوا لظى النزوح بجحيم التشرّد والضياع المُستمرّ، في حلقة مفرغة من المعاناة لا تنتهي.
الشواهد الميدانية تؤكّد جسامة الموقف وتتحدّث عن نفسها ببلاغة صادمة، فاللقطة الأولى من الشارع المُعبّد الرئيس الفاصل بين حيّي الدناقلة وديوم بحري تُظهر طريقاً يكاد يخلو من المارّة والنشاط التجاري، رغم حيويته التاريخية باعتباره المسار البديل لشارع المعونة في أوقات الازدحام المروري، وهذا الهدوء المريب ليس سكينة، بل موت إكلينيكي لمدينة كانت تنبض بالحياة والحيوية. أما اللقطة الثانية فلأحد أضخم مصارف المدينة الذي نبتت فيه الأشجار والأعشاب الطفيلية جرّاء تراكم مياه الأمطار وإهمال الصيانة، قبل أن يتحوّل إلى مستعمرة عملاقة للبعوض والذباب حيث تُباشر هذه الجحافل حملاتها ليل نهار دون هوادة، في تهديد صريح ومباشر لسلامة أهل بحري الذين لا يملكون سوى عزيمتهم الراسخة وسلاح الإيمان والصبر لمواجهة هذه الكائنات المُهلكة وأسلحتها البيولوجية المُدمّرة.
إن ما يجري في بحري اليوم ليس مجرّد إهمال إداري اعتيادي، بل يرقى إلى مصاف الجريمة الإنسانية في حقّ مدينة عتيقة وشعب صلب المراس، فبحري ليست حيّاً هامشياً من أحياء الخرطوم، بل مدينة ذات تاريخ مجيد وإرث حضاري عريق ودور محوري في الحياة الاقتصادية والثقافية للعاصمة. إن تجاهلها بهذا الأسلوب المقصود يعكس خللاً بنيوياً في منظومة العدالة والإنصاف الحكومية، ويُثير تساؤلات مشروعة حول معايير المواطنة والولاء للوطن الواحد، خاصة أن الوقت ليس في صالح أحد، والمواطن البحراوي يتطلّع إلى إجابات شافية وأفعال ملموسة، لا إلى وعود براقة أو تسويفات واهية.
التساؤل المطروح بقوّة يا سعادة الوالي: ما الذي استجدّ بعد المحنة؟ وما بال بحري تكابد وحدها دون شقيقاتها من مدن العاصمة؟ هل ثمّة أجندة خفيّة لإجلاء أهل بحري من مدينتهم؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه إهمالاً وعدم مبالاة بمعاناة الآلاف من المواطنين الأبرياء؟ إننا كمواطنين لا نلتمس المعجزات، بل نطمح إلى الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، نتطلّع إلى مياه صالحة للشرب، وطاقة كهربائية للإنارة والتبريد، ومكافحة ناجعة للأوبئة والحشرات، وخدمات صحية أساسية تُنقذ الأرواح، وطرق صالحة للسير، ونظافة للشوارع والمصارف، وهذه ليست ترفاً، بل حقوق أساسية لكلّ مواطن في هذا الوطن.
إن صمت الحكومة وتجاهلها المستمرّ لمعاناة أهل بحري ينطوي على رسائل خطيرة قد تُفضي إلى تداعيات اجتماعية ونفسية وخيمة على المواطنين، فالإحباط واليأس بدآ يتسلّلان إلى النفوس، والشكوك تتعاظم حول جدّية الحكومة في التعامل مع قضايا المواطنين بعدالة وإنصاف، وهذا الوضع قد يُؤدّي إلى تبعات أشدّ خطراً إذا لم تتمّ معالجته بحزم وعاجلية، لذلك فإننا نترقّب إجابة شافية وإجراءات عملية تُعيد لمدينة بحري هيبتها ولأهلها حقوقهم المشروعة في العيش الكريم على أرضهم وفي مدينتهم التي شهدت مولدهم ونشأتهم، قبل فوات الأوان وتحوّل المأساة إلى كارثة إنسانية يتعذّر احتواؤها أو السيطرة عليها.



