أخبار العالم

حرب إيران أضعفت حليفي واشنطن مصر والأردن

الإيكونومست
قبل نحو عامين، قال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لعباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، إن بلاده لن تكون «ساحة للصراعات الإقليمية». وقبل ذلك بعقد من الزمن، وبينما كان عبد الفتاح السيسي يخوض حملته للوصول إلى رئاسة مصر، قطع تعهدا معاكسا لدول الخليج: إذا تعرض أمنها يوما للتهديد، فستكون مصر «مسافة السكة».
لكن الأردن اليوم يقف في قلب صراع إقليمي بين الولايات المتحدة، أقرب حلفائه، وحكومة عراقجي. أما مصر، فقد تكون بالفعل على مسافة السكة، لكنها بقيت حيث هي. وبينما يواجه الخليج أخطر تهديد له منذ 35 عاما، لم يقدم السيسي سوى القليل بخلاف الكلمات.
إن هذه الوعود المنكوثة كاشفة. فالأردن يدفع ثمن حرب لا يملك عليها إلا قدرا ضئيلا من السيطرة. أما مصر، فقد جرى تهميشها كوسيط وكقوة عسكرية. ولطالما قدم البلدان نفسيهما باعتبارهما ركيزتين من ركائز النظام الإقليمي. لكن هذا النظام يبدو اليوم مترنحا، فيما تبدو الدولتان تائهتين.
تحيط بالأردن دول أقوى منه، وهو بلد يفتقر إلى الموارد الطبيعية، ولذلك يرى في علاقته الوثيقة بالولايات المتحدة عنصرا أساسيا لبقائه. وفي المقابل، جعلت أمريكا المملكة واحدة من أكبر الدول المتلقية للمساعدات الخارجية الأمريكية.
وينتشر آلاف الجنود الأمريكيين في قواعد جوية مثل قاعدة موفق السلطي في الصحراء الشرقية، التي تستضيف كذلك مقاتلات وطائرات للتزود بالوقود جوا وطائرات عسكرية أخرى تؤدي دورا حيويا في حرب دونالد ترمب مع إيران.
لكن استضافة هذه القوات جعلت الأردن هدفا. فقد أطلقت إيران عليه ما لا يقل عن 262 صاروخا وطائرة مسيرة خلال الشهر الأول من الحرب وحده.
كما أن الوجود الأمريكي لا يحظى بشعبية. فقد وقع مئات السياسيين وضباط الجيش المتقاعدين وشخصيات أردنية بارزة مؤخرا رسالة مفتوحة تطالب بانسحاب القوات الأمريكية.
لكن الملك لا يستطيع تحمل كلفة الاستجابة لمثل هذا المطلب، لأسباب ليس أقلها اعتماد بلاده على المساعدات الأمريكية. ففي العام الماضي، تلقى الأردن أكثر من 1.6 مليار دولار من المساعدات الأمريكية، بما يعادل نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الشهر الحالي، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم 355 مليون دولار إضافية لمشروعات البنية التحتية والتعليم وغيرها.
والأردن يحتاج إلى هذه الأموال الآن أكثر من أي وقت مضى، بعدما ألحقت الحرب أضرارا باقتصاده.
فالهجمات الصاروخية أدت إلى إلغاء رحلات جوية وأخافت الزوار. كما تراجعت إيرادات السياحة، التي كانت قد تضررت بالفعل بسبب حرب غزة، لتنخفض بنحو 10% خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
ويعتمد الأردن على الغاز الطبيعي الإسرائيلي لإنتاج نحو نصف احتياجاته من الكهرباء. لكن إسرائيل علقت صادرات الغاز عند اندلاع الحرب خشية تعرض منصاتها البحرية لضربات إيرانية.
وأجبر ذلك شركة الكهرباء الحكومية على التحول إلى الديزل وزيت الوقود الثقيل وشحنات فورية من الغاز الطبيعي المسال، وجميعها أكثر تكلفة من الغاز الإسرائيلي.
ورغم استئناف صادرات الغاز في أبريل/نيسان، يتوقع صندوق النقد الدولي أن تنهي فاتورة واردات الطاقة الأردنية العام بزيادة قدرها 36% مقارنة بعام 2025.
وحاولت إيران تعميق الانقسام بين الحكومة الأردنية والجمهور. فحتى في الوقت الذي يطلق فيه الحرس الثوري الإيراني الصواريخ والطائرات المسيرة على المملكة، ينشر رسائل يؤكد فيها أنه «لا يكن أي عداء» للشعب الأردني، وأن أمريكا، لا إيران، هي التي «انتهكت سلامة أراضيكم».
وقد لا تلقى مثل هذه المناشدات صدى كبيرا، إذ ينظر كثير من الأردنيين إلى إيران باعتبارها تهديدا. ومع ذلك، تضع الحرب الحكومة أمام معضلة في وقت تعاني فيه أصلا من استياء داخلي.
مصر: الاقتصاد يصمد، لكن المكانة تتراجع
يبدو الاقتصاد المصري أكثر تماسكا.
فمن المتوقع أن ينمو بنسبة 4.6% هذا العام، كما أفرج صندوق النقد الدولي للتو عن أحدث شريحة، بقيمة 1.8 مليار دولار، من اتفاق قرض يمتد أربع سنوات.
ولا تزال السياحة، التي توفر 13% من الوظائف، قوية. فقد زار مصر أكثر من 9 ملايين شخص خلال النصف الأول من العام، بزيادة 3% عن الفترة نفسها من 2025.
وللوهلة الأولى، تبدو المصادر الرئيسية الأخرى للعملة الصعبة في مصر، وهي إيرادات قناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج، متماسكة أيضا.
فقد ارتفعت إيرادات القناة بنسبة 30%، من 1.8 مليار دولار إلى 2.4 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، بينما سجلت التحويلات مستوى قياسيا خلال العام المنتهي في يونيو/حزيران.
لكن المؤشرين قد يكونان متأخرين في إظهار آثار الأزمة.
فالهجمات المدعومة من إيران على السفن في البحر الأحمر قد تقلص إيرادات قناة السويس. أما التحويلات، فيأتي جزء كبير منها من المصريين العاملين في الخليج. وإذا طال التباطؤ الاقتصادي في تلك المنطقة، فسيعني ذلك عددا أقل من العمال القادرين على إرسال الأموال إلى بلادهم.
وفي الوقت نفسه، رفعت الحكومة بعض تعريفة الكهرباء بنسبة 12%.
لكن نقطة الضعف الأكبر بالنسبة لمصر في الوقت الراهن ليست الملاءة المالية، بل المكانة والنفوذ.
فبعد الهجوم الذي قادته حماس في إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وجد السيسي نفسه مطلوبا بشدة دبلوماسيا.
فلدى رؤساء أجهزة الاستخبارات المصرية علاقة طويلة بقيادة حماس في غزة، بحكم الحدود المشتركة. وزار أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي السابق، مصر سبع مرات خلال العام الذي أعقب الهجوم، أكثر من أي دولة أخرى باستثناء إسرائيل.
كما جرت المفاوضات النهائية للتوصل إلى وقف إطلاق النار في منتجع شرم الشيخ المصري في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
أين مصر من حرب إيران؟
كانت مصر أقل أهمية بكثير في الحرب مع إيران.
فقد تفوقت عليها باكستان وتركيا ودول الخليج في دور الوساطة.
كما لم يؤد أكبر جيش في العالم العربي دورا يذكر في الدفاع عن جيرانه، رغم أن دول الخليج قدمت لمصر عشرات المليارات من الدولارات من المساعدات منذ استيلاء السيسي على السلطة في انقلاب عام 2013.
ويقول المسؤولون في القاهرة إن دول الخليج تتلقى المساعدة من حلفاء آخرين، وإن مصر تواجه تهديدات أخرى على حدودها.
لكن عدم تحرك القاهرة أثار استياء أصدقائها.
ففي مارس/آذار، اشتكى أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، من جلوس دول عربية «كبرى» بلا حراك بينما كانت إيران تهاجم الخليج.
وسأل:
«أين أنتم اليوم في وقت الشدة؟»
وقد نشرت مصر بالفعل سربا من مقاتلات رافال في الإمارات، لكنها لم تعلن عن ذلك إلا في مايو/أيار، أي بعد شهر بالضبط من دخول وقف إطلاق النار الأولي بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ.
وكان غياب مصر لافتا أيضا في السابع من أغسطس/آب، عندما وقعت السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، رغم أن مسؤولين سعوديين يشيرون إلى إمكانية انضمام القاهرة إليها في وقت لاحق.
لكن الابتعاد عن الحرب لم يوفر الحماية لمصر.
فقد ارتفعت هي الأخرى تكلفة وارداتها من الطاقة القادمة من الخليج. وفي الشهر الماضي، ضربت طائرة مسيرة منشأة للغاز الطبيعي في دمياط على ساحل مصر المطل على البحر المتوسط.
لمحة عن شرق أوسط جديد
يمثل الاتفاق الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان لمحة عما قد يكون عليه مستقبل الشرق الأوسط.
فمع تزايد مخاوف دول المنطقة من أنها لم تعد قادرة على الاعتماد على الولايات المتحدة، سيكون عليها تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن الدفاع عن نفسها.
وسيكون ذلك واقعا غير مريح لكل من مصر والأردن، وهو ما تكشفه، بحسب المجلة، الوعود التي قطعها البلدان في الماضي ثم عجزا عن الوفاء بها.

زر الذهاب إلى الأعلى