السودان: يحتفلون لأجل أنهم قد حرروا مُدُناً مدمرة وبيوتاً خاوية من أهلها ‼️
إنها قصة وطنٍ تتغير فيه الرايات… وتبقى المدن خاويةً على عروشها

✍️محمد الفاتح حضرة
في هذه الحرب العجيبة…
منذ أكثر من ثلاث سنوات يتقاتل الطرفان بشراسة..
يغير أحدهما على الآخر..
ويقصف أحدهما مواقع الآخر.
وكل طرف يريد أن يسحق الآخر، ويدحره، ويستحوذ على أكبر قدر ممكن من الأرض.
ثم تصدر البيانات:
تمّ تحرير المدينة الفلانية.
تمّ تحرير القرية الفلانية.
تمت إستعادة المنطقة الفلانية.
وتعلو أصوات الفرح والتهليل..
وتتغير الخريطة..
وتتبدل الرايات..
لكن…
توقفوا قليلاً!
ماذا حرروا؟!
هل حرروا المواطنين؟
هل أعادوا الأسر إلى بيوتها؟
هل عاد الأطفال إلى مدارسهم؟
هل عاد المزارعون إلى حقولهم؟
هل عاد التجار إلى أسواقهم؟
هل عادت الحياة إلى المدينة؟
أم أنهم حرروا الجدران والحيطان فقط؟!
انظروا إلى حال كثير من المدن والقرى التي تتغير السيطرة عليها..
ماذا تجدون فيها؟
بيوتاً مدمرة.
أسواقاً منهوبة..
مدارس بلا أطفال..
مزارع بلا مزارعين..
وشوارع كانت تضج بالحياة…
أصبحت خاويةً على عروشها..
أين ذهل أهلها؟
نزحوا.
هربوا.
تركوا بيوتهم خلفهم.
تركوا أبواباً أضحت بالية كانوا قد أغلقوها على عجل..
تركوا أثاثاً وذكريات وصوراً ومقابر أحبابهم..
تركوا كل شيء…
إلا الخوف الذي حملوه معهم..
نزحوا لأنهم قد وجدوا أنفسهم بين نارين.
فإذا بقي المواطن في منطقة يسيطر عليها الجيش، أصبح في نظر خصومه موضع شك واتهام..
وإذا بقي في منطقة تسيطر عليها قوات الدعم السريع، أصبح في نظر خصومها متعاوناً معها..
فصار المواطن السوداني متهماً لمجرد أنه بقي في بيته وساعد أهله حين هربت الدولة !!
ولهذا ..بات يهرب..
ويفر..
وينزح..
ويحمل أطفاله بعيداً..
ثم يأتي أحد طرفي الحرب…
يدخل المدينة الخالية المدمرة مختالاً ..
ويرفع رايته..
ويصدر البيان:
«عودوا فوراً أيها الناس ، لقد تم تحرير المدينة!! »
وهنا أسأل:
حررتموها من مَن؟!
من أهلها الذين هربوا؟
من الأطفال الذين غادروا مدارسهم؟
من النساء اللائي تركن بيوتهن؟
من الشيوخ الذين تركوا قبور آبائهم؟
من المزارعين الذين تركوا حقولهم؟
من التجار الذين أُغلقت متاجرهم؟
أي تحرير هذا؟!
مدينة بلا أهلها…
ليست مدينة محررة.
وقرية بلا أهلها…
ليست قرية محررة.
إنها مكانٌ ميت تحت راية جديدة.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا تخدعنا:
إنهم يتقاتلون على المدن… بينما يفرغونها من سكانها!
يتقاتلون على الأرض… بينما يخسر السودان الإنسان!!
يتنافسون على السيطرة… بينما تختفي الحياة من علي وجه الأرض !!
منذ سنوات ، يحتفل كل طرف بتقدم قواته..
ويعدُّ المدن التي استولى عليها..
ويحصي المناطق التي «حررها».
وكأن الوطن مجرد مربعات على خريطة عسكرية.
وكأن الإنسان السوداني مجرد رقم في بيان انتصار.
لا يا سادة!!
الوطن ليس جدراناً..
الوطن ليس شوارع..
الوطن ليس قصراً..
الوطن ليس مبنى حكومياً تُرفع فوقه راية..
🫵الوطن والأرض هي الإنسان السوداني.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه بعد كل بيان عسكري:
أين هم أهل هذه المدينة؟!
إذا لم يعودوا…
فماذا حررتم؟!
إذا ظلت بيوتهم مغلقة…
فماذا حررتم؟!
إذا ظل أطفالهم نازحين…
فماذا حررتم؟!
إذا بقي أصحابها في القاهرة أو أديس أبابا أو جوبا أو معسكرات النزوح في الولايات البعيدة …
فماذا حررتم؟!
تتغير السيطرة العسكرية عشرات المرات..
لكن المدينة التي فقدت أهلها…
تظل جريحة حتى يعود أهلها إليها.
ولذلك تبدو الآية القرآنية أمام هذا المشهد وكأنها ترسم صورة لا تحتاج إلى كثير من الشرح:
﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾
قصر مشيد…
وبئر معطلة…
ومدينة خاوية…
وأهلها في المنافي ومخيمات النزوح.
ومفارقة أخرى أكثر إيلاماً!!
منذ إندلاع الحرب ظلت تدخل عصابات الجنجويد وقوات الدعم السريع إلى أحياء المدنيين…
فتنهب البيوت..
وتسرق السيارات..
وتستولي على الأموال والممتلكات ويذهبون بها ..
ثم ترصدهم أعين الجيش وهم يهربون بهذه المنهوبات…
فيتم قصفهم!!
فتحترق سيارات المدنيين المنهوبة..
وتحترق معها أموالهم وممتلكاتهم التي لم يهدفوا الي إنقاذها أو إستردادها..
تخرج قوات الدعم السريع من الخرطوم…
فتأتي الشرطة.
وتجمع ما تبقى من المسروقات والمنهوبات.
🧐🫵ثم يصدر الإعلان :
على أصحاب الممتلكات المسروقة والمنهوبة الحضور خلال شهر للتعرف على ممتلكاتهم وإستردادها… وإلا سيتم التصرف فيها وفقاً للإجراءات المعلنة ‼️
وهنا…
اسمحوا لي أن أسأل:
أين كان صاحب هذه السيارة طوال الثلاث سنوات الماضية؟
أين كان صاحب هذا المنزل المنهوب ؟
وأين كانت الأسرة التي نُهبت ممتلكاتها؟
🫵إنهم نازحون ولاجئون.
بعضهم في مصر.
وبعضهم في دول الجوار.
وبعضهم في معسكرات النزوح.
وبعضهم لا نعرف حتى اليوم أين انتهى به المطاف.
مرت أكثر من ثلاث سنوات على بداية الحرب وتغيرت كل المعالم والشواهد..
ثم يُطلب من المواطن الذي نُهب بيته أن يأتي خلال شهر واحد ليتعرف على ممتلكاته!!
كيف سيأتي؟!
من أين سيأتي؟
وبأي مال سيأتي؟
وأين سيقطن وماذا سيأكل
وكيف يعرف أن ممتلكاته موجودة فعلاً لدي الدولة فيأتي ليستلمها؟
بعد ثلاث سنوات من النهب والسرقة كيف سيتعرف علي ممتلكاته وأجهزته وسيارته بعد أكثر من ثلاث سنوات وهي مرمية في العراء تحت براثن الغزاة ؟
هل سيتعرف عليها بمخاطبتها وإستفثارها؟
أم سيستعين بصور قديمة؟
أم…
هل سيتعرف عليها بالحمض النووي والـDNA؟!
سبحان الله!!
المواطن نُهب…
ثم نزح…
ثم لجأ…
ثم غاب عن وطنه قسراً…
ثم عندما تحاول الدولة أن تعيد إليه بعض ما بقي من ممتلكاته، تمنحه شهراً واحداً فقط!!
وإن لم يأتِ…
تُصبح الممتلكات عرضةً للتصرف والبيع وفق ما تقرره الجهات المختصة وغير المختصة !!
أي دولة هذه التي تتعامل مع المواطن بهذه الطريقة في هكذا ظروف ؟!
المواطن السوداني لم يترك سيارته بإرادته..
ولم يغادر بيته بحثاً عن حياة أفضل..
لقد طُرد من وطنه تحت رُصاص طرفي المؤسسة العسكرية السودانية .
ثم يُطلب منه، بعد سنوات من النزوح واللجوء، أن يعود سريعاً ليثبت أن هذه السيارة أو تلك الممتلكات كانت له!!
🤔 أين مسؤولية الدولة؟!
في مثل هذه الكوارث، لا ينبغي أن يكون المواطن وحده في مواجهة خسارته.
فالدولة، من حيث المبدأ القانوني، ليست مجرد جهة تستعيد السيطرة العسكرية على الأرض، ثم تترك المواطن يبحث وحده عن حقه بين الأنقاض..
الدولة عليها واجب حماية الحقوق وجبر الضرر وتعويض المتضررين وفقاً للقانون.
من قُصف بيته.
ومن دُمّر مصنعه.
ومن أُحرقت سيارته.
ومن نُهبت أمواله.
ومن استُولي على متجره.
ومن دُمّرت ممتلكاته.
ومن تعرض للقتل أو الإصابة أو غير ذلك من الأضرار التي تثبتها جهات التحقيق والقضاء…
هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في نشرات الحرب.
هؤلاء مواطنون لهم حقوق علي الدولة وعلي من تسبب في الضرر.
المحزن .. أن طرفي الحرب ليسا جهتين أجنبيتين هبطتا على السودان من كوكب آخر.
بل إنهما مرتبطان ببنية المؤسسة العسكرية السودانية وأجهزة الدولة، وإن اختلفت المواقع والولاءات والمسميات.
قوات مسلحة.
وقوات دعم سريع.
وأجهزة أمن وشرطة وسلطات حكومية.
ولذلك فإن الحديث عن مسؤولية الدولة عن حماية المدنيين وجبر أضرارهم ليس ترفاً سياسياً..
بل هو من صميم معنى الدولة والقانون.
وإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تمنع الاعتداء…
فعليها، على الأقل، أن تقوم بواجبها في حفظ وحماية ما تم ضبطه من ممتلكات المدنيين، وحصره، وتوثيقه، وحفظه، وتمكين أصحابه من استرداده لاحقاً متي عادوا ، أو جبر ذلك الضرر كله وتعويضهم وفقاً للقانون.
أما أن تُنهب ممتلكات المواطن…
ثم تُحرق بعض تلك الممتلكات أثناء العمليات العسكرية بين طرفي المؤسسة العسكرية…
ثم تُضبط لاحقاً بعض البقايا…
ثم ترفض الدولة حتى أن تحرسها وتحفظها لأصحابها…
بل تطلب من النازح واللاجئ أن يعود خلال شهر…
وإلا ضاعت منه مرة أخرى…
فبالله عليكم: أهكذا هي واجبات الدولة ؟!
🛑 هذه ليست مجرد حرب على المدن
إنها حرب على معنى الدولة نفسه.
لأن الدولة التي تقيس النصر بعدد المدن التي سيطرت عليها…
ولا تقيسه بعدد المواطنين الذين عادوا إلى بيوتهم…
قد انتصرت في الخريطة.
لكنها خسرت الوطن.
والدولة التي تستعيد المبنى…
ولا تستعيد صاحبه…
فقد استعادت حجراً..
والدولة التي تجمع السيارات المنهوبة والمسروقة …
ولا تستطيع إيصالها إلى صاحبها…فقد خانت الواجب ولم تؤدي الأمانة.
والدولة التي تنظف الشارع…
ولا تعمل علي إعادة الأسرة إلى منزلها…فانها لم تؤدي واجبها ‼️
ربما نظفت شارعاً أو شارعين..
لكنها لم تُعد الحياة الي تلك البلاد..
السودان لا يحتاج تنظيف الشوارع وحدها..
السودان يحتاج إلى تنظيف جراحه.
وإعادة أهله.
وحماية حقوقهم.
وجبر أضرارهم.
ومحاسبة من اعتدى عليهم، أياً كان موقعه أو رتبته أو رايته.
🛑 وفي النهاية…
لا تسألوني:
من تقدم؟
ومن تراجع؟
من استولى على تلك المدينة؟
ومن إستعادها؟
ومن رفع رايته فوق ذلك المبنى حكومي؟
🧐🫵 بل إسألوا ذلك السؤال الذي يهرب منه الجميع:
أين هم أهل تلك القرية و المدينة؟!
إذا هم لا وجود لهم ولم يعودوا…
فماذا حررتم أنتم؟!
إذا ظلت القرية بلا أهلها…
فماذا إستعدتم؟!
إذا بقي ذلك المصنع مغلقاً…
والتاجر مهجراً…
والمزارع بعيداً عن أرضه…
والطفل بعيداً عن مدرسته…
والأسرة تحمل مفتاح بيتها في حقيبة النزوح…
فأي انتصار هذا الذي تتحدث عنه ؟!
علي الأرض قد تتغير الرايات..
وقد تتغير الخرائط..
وقد ينتصر هذا الطرف في تلك المعركة، وينتصر ذاك في معركة أخرى.
لكن هناك حقيقة واحدة لا ينبغي أن تضيع وسط هذا الجنون:
السودان هو الذي يخسر في الحالتين.
المدن ليست الحجارة.
والقرية ليست تراباً.
والوطن ليس خريطة.
🫵الوطن هو الإنسان السوداني.
ولذلك…
لا نريد مجرد «تحرير» المدن ..
نريد تحرير أهل المدن من الخوف.
لا نريد انتصاراً فوق بيوت خاوية..
وإنما نريد عودة أصحاب تلك البيوت.
لا نريد رايات تُرفع فوق مدن ميتة.
نريد الحياة.
نريد أن تُفتح الأبواب.
وتعود المدارس.
وتعود الأسواق.
وتعود المزارع.
وتعود المصانع.
ويعود النازح.
ويعود اللاجئ.
ويعود المواطن إلى وطنه آمناً مطمئناً، لا يسأله أحد:
أنت مع من؟
عندها فقط…
يمكن أن نقول: لقد تحررت البلاد.
أما أن تدخل قوة عسكرية مدينة خالية من سكانها، ثم ترفع رايتها فوق جدرانها وتصدر بياناً بأنها «حررتها»…
فاسمحوا لي أن أقولها بوضوح:
أنتم لم تحرروا المدينة…
أنتم فقط غيرتم صاحب السيطرة على مدينة فقدت أهلها.
وإذا ظل أهلها نازحين…
فهي ليست مدينة محررة..
🫵 بل إنها مدينة خاوية على عروشها ، وإن كان فيها بيئر و قصر مشيد..



