
يمثل سقوط مدينة قيسان في إقليم النيل الأزرق بيد تحالف “تأسيس”، الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة جوزيف توكا، إخفاقاً دفاعياً كبيراً للفرقة الرابعة مشاة، إذ كانت قيسان جزءاً أساسياً من منظومتها الدفاعية الأمامية في منطقة مسئوليتها في إقليم النيل الأزرق.
وجاء سقوطها بعد تسلسل طويل من العمليات القتالية كان ينبغي أن يمنح قيادة القوات المسلحة ممثلة في رئاسة الأركان الوقت والمعلومات الكافيين لمنع هذه النتيجة.
بدأت ملامح المعركة منذ يناير 2026 مع انتقال النشاط العسكري إلى إقليم النيل الأزرق وامتداد العمليات إلى الكرمك وقيسان وباو وسالي ودندرو، بالتزامن مع ضربات جوية وتحركات برية على الحدود الإثيوبية.
وفي 25 مارس سيطر تحالف “تأسيس” على مدينة الكرمك، وهي مدينة حدودية تضم مقر اللواء 16 مشاة التابع للفرقة الرابعة، ورُفع علم الحركة الشعبية فوق مقرها.
اتجه الضغط بعدها مباشرة نحو قيسان، وتحدثت مصادر حكومية في 26 مارس عن حشد قوات تحالف “تأسيس” باتجاه هذه المدينة الحدودية، بما يعني أن قيسان كانت هدفاً متوقعاً منذ وقت مبكر جداً ولم تكن مفاجأة عسكرية بأي معيار.
ومع بداية أبريل بدأ الجيش نفسه بتوجيه سكان قيسان لمغادرة المدينة بعد ورود معلومات عن حشود تحالف “تأسيس” في القرى المحيطة، وهذا الفارق الزمني الطويل بين سقوط الكرمك وسقوط قيسان – نحو أربعة أشهر- هو ما يحوّل القضية من مسألة مفاجأة تكتيكية إلى مسألة فشل واضح في إدارة الوقت والموارد على مستوى القيادة.
جغرافية قيسان وقيمتها العسكرية
تقع مدينة قيسان جنوب شرق النيل الأزرق على الحدود مع إثيوبيا، وتبعد عن الدمازين مقر الفرقة نحو 178 كيلومتراً، بينما يتجاوز طريق قيسان– باكوري وحده 60 كيلومتراً كجزء من الشريان الرابط بينهما.
وفق التقديرات العسكرية فإن هذه المسافات تجعل أي تقصير في تأمين طرق الإمداد أو في وضع احتياطي من القوات قريب مكلفاً للغاية، لأن مقر الفرقة يقع في عمق الإقليم بينما تنتشر وحداتها الأمامية على مسافات طويلة قرب الحدود.
تبلغ مساحة ولاية النيل الأزرق نحو 45,844 كيلومتراً مربعاً وفق بعض المراجع، وتقع في جنوب شرق السودان، وتحدها إثيوبيا من الشرق والجنوب الشرقي، بينما تمتد محليتا قيسان والكرمك على القطاع الحدودي مع إثيوبيا، وتتمتعان بأهمية خاصة بحكم موقعهما على طرق الحركة والمعابر الحدودية.
تكتسب مدينة قيسان أهميتها من موقعها على هذا الشريط الحدودي ومن اتصالها بشبكة الحركة بين عاصمة الولاية الدمازين والحدود الإثيوبية، وهو ما يفسر أهمية تمركز اللواء 13 مشاة في بكوري ضمن منظومة الدفاع الشرقية.
لا توجد بيانات دقيقة عن المساحة العمرانية لمدينة قيسان نفسها، لكن تقديرات تشير إلى أنها كانت تضم قبل النزوح ما بين 15 و25 ألف نسمة تقريباً كمركز حضري حدودي متوسط الحجم.
الدمازين ومشكلة الجبهة الواسعة
تدير الفرقة الرابعة مشاة من مدينة الدمازين قطاعاً واسعاً يمتد جنوباً وجنوب شرقاً وشرقاً، حيث في الجنوب دندرو وسالي، وفي الجنوب الشرقي مقجة وسركم والكرمك ثم خور حسن ودوكان وكرن والبركة، وفي الشرق بكوري وأموري وأداسي ويارا وديم سعد وفشفون ثم قيسان والحدود الإثيوبية.
يقترب طول هذه الجبهة الفعلية من 250 كيلومتراً على أقل تقدير، وهي مساحة تتجاوز عادةً ما يمكن لفرقة مشاة واحدة، بقوامها المعتاد الذي لا يتجاوز عدة آلاف من المقاتلين موزعين على ثلاثة أو أربعة ألوية، أن تغطيه بدفاع متماسك دون احتياطي مركزي حقيقي.
لذلك كان على قيادة الفرقة أن تحدد باستمرار أي محور يمثل مركز الثقل في كل مرحلة وأن تعيد توزيع القوة تبعاً لتغير اتجاه التهديد، وهو ما لم يحدث بالسرعة الكافية.
الكرمك واللواء 16 مشاة
من المعلوم أن مدينة الكرمك، الواقعة على مسافة تقارب 110 إلى 130 كيلومتراً من الدمازين، تعتبر أحد أهم مراكز الثقل العسكري في القطاع، وكان اللواء 16 مشاة يتمركز فيها. سقوطها في مارس أفقد الفرقة موقعاً متقدماً حيوياً وفتح الطريق أمام قوات تحالف “تأسيس” للضغط المباشر على محاور قيسان.
حاول الجيش لاحقاً استعادة المبادرة فاستعاد كرن كرن ودوكان وخور حسن ثم مقجة وسركم، لكن تكرار القتال حول هذه المواقع نفسها أكثر من مرة يكشف أن الفرقة كانت تستعيد الأرض دون أن تملك القوة الكافية لتثبيتها وحمايتها من الهجوم المضاد، وهو خلل في التخطيط لا يمكن تبريره بضغط الجبهة وحده.
في 20 يونيو تقدمت قوات الدعم السريع جنوب غرب سالي ودخلت سركم، ثم استعادها الجيش في 29 يونيو. إلا أن هذا التذبذب على محور يربط عمق الفرقة بالكرمك يعني أن الفرقة كانت تستهلك قوة يُفترض تخصيصها لتثبيت الأرض في إعادة القتال على نفس البقعة أكثر من مرة، بدلاً من توجيهها لتعزيز القطاع الشرقي الأكثر خطورة في تلك المرحلة.
اللواء 13 مشاة والقطاع الشرقي
يعتبر اللواء 13 مشاة، المتمركز في بكوري، التشكيل الأبرز في معركة قيسان. في 28 مايو تصدى لهجوم على محطة أمورا شمال شرق قيسان ودمر واستولى على عدد من المركبات وفق ما أعلنته الفرقة، وفي 13 يونيو تعرضت أموري لهجوم رابع خلال أقل من شهر تصدى له اللواء ذاته.
من المؤكد أن هكذا تكرار – أربع هجمات على موقع واحد خلال أسابيع قليلة – كان ينبغي ويكفي لتصنيف القطاع الشرقي باعتباره محور الخطر الرئيسي وتوجيه معظم التعزيزات المتاحة إليه، لا الاستمرار في توزيعها على محاور أقل إلحاحاً.
في 23 يونيو نفذ اللواء 13 مشاة عملية تمشيط وصفتها الفرقة الرابعة مشاة بالواسعة وصولاً إلى الحدود الإثيوبية، بعد استعادة أبو دقلة وأدي واشمبو وأم شنقر ثم منطقة البار في قيسان.
لذا فإن من الواضح أن الجيش كان في موقع الدفع نحو الأمام – بضغط على ما يبدو من رئاسة الأركان- لا الدفاع الثابت، بينما كانت قوات تحالف “تأسيس” بالمقابل تسعي إلى فتح مسار إمداد بديل عبر قيسان بعد أن خسرت مسارات أخرى بسقوط الكرمك تحت سيطرة الجيش، وهذا يعني أن قيسان لم تكن هدفاً لالتقاط مدينة بقدر ما كانت عقدة صراع على خطوط الحركة والإمداد في شرق الإقليم كله.
خلال يوليو توسعت العمليات لتشمل أداسي ويارا وديم سعد أمام قيسان، بهدف بناء حزام أمامي يمنح إنذاراً وتأخيراً، لكن هذا النوع من الانتشار يفشل إن لم تكن المواقع مترابطة بدعم متبادل، والأحداث اللاحقة أثبتت أن هذا الترابط لم يتحقق.
في 13 و14 يوليو سيطر اللواء 13 مشاة بمساندة قوات العمل الخاص على فشفون في معركة وُصفت بالفاصلة، وكانت هذه المنطقة تمثل الخط المتقدم الأخير أمام قيسان.
إلا أن سقوط مدينة قيسان بعد ذلك بأيام معدودة يكشف أن هذا الانتصار التكتيكي لم يُستثمر إطلاقاً في بناء دفاع فعلي قوي حول المدينة، وأن القوة التي حققت هذا النجاح إما انسحبت أو عُزلت أو تُركت دون الدعم الذي يحوّل انتصاراً تكتيكياً إلى مكسب عملياتي، وهذا يقع بالكامل في باب مسؤولية التخطيط لا في باب ظروف الميدان.
التعزيزات والاحتياطي الغائب
في 22 فبراير كانت قد وصلت كتيبة مظلات من الخرطوم إلى مقر الفرقة في الدمازين لتُدفع إلى خطوط الدفاع المتقدمة وفق توجيهات إدارة العمليات الحربية في رئاسة الأركان بالخرطوم.
لقد كان دفع هذه الكتيبة مباشرة إلى الخط الأمامي بدل استخدامها كنواة لاحتياطي مركزي متحرك قراراً يستحق النقد بذاته، لأنه حوّل قوة كان يمكن أن تحسم معركة قيسان إلى مجرد إضافة عددية لخط دفاعي متمدد أصلاً.
وتشير التشكيلات المتاحة إلى وجود اللواء 14 مشاة وإشارات إلى لواء رابع احتياطي، لكن غياب أي أثر فعلي لهما في معركة قيسان الحاسمة يعني عملياً أنهما لم يكونا احتياطاً قابلاً للاستخدام، بصرف النظر عن وجودهما الاسمي في هيكل الفرقة.
كذلك شاركت قوات العمل الخاص مع اللواء 13 مشاة في فشفون، وهي قوة نوعية -كما يفترض- للاستطلاع والضربات المركزة لا تصلح بديلاً عن منظومة دفاع متكاملة بمشاة واحتياطي قوات وإمداد ونيران إسناد.
وفي الوقت ذاته ظلت الفرقة مطالبة بتأمين دندرو وسالي جنوب الدمازين، وهو عبء إضافي على قوة موزعة أصلاً على أكثر من محور دون أولوية واضحة.
في 14 مايو زار رئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا قيادة الفرقة في الدمازين، في وقت كانت المعارك تتصاعد حول الكرمك وقيسان معاً. تلت الزيارة مكاسب تكتيكية محدودة جدا في محور الكرمك، لكن الانتشار الأمامي الواسع استمر كما هو، وتكررت الهجمات على أموري، وسقطت قيسان لاحقاً، ما يعني أن الزيارة لم تُترجَم إلى إعادة هيكلة فعلية لطريقة انتشار الفرقة أو إدارة احتياطها.
الانتشار الأمامي والخطأ التأسيسي
وفقا لمهام الفرقة الرابعة مشاة فهي مطالبة بتغطية جبهة تقارب 250 كيلومتراً على محاور دندرو وسالي، ومقجة وسركم والكرمك، وخور حسن ودوكان وكرن كرن والبركة، والقطاع الشرقي من بكوري إلى قيسان.
إلا أن توزيع القوة على هذا العدد من المواقع الثابتة، بقوام لا يتجاوز على الأرجح 6 إلى 8 آلاف مقاتل موزعين على الفرقة بكاملها، يعني أن كل موقع حصل على حامية ضعيفة غير قادرة على الصمود المستقل، بينما استُنزف الجزء الأكبر من القوة في التغطية الثابتة بدل تركيزه في احتياطي قادر على الحسم.
هذا لم يكن قدراً محتوماً فرضته الجغرافيا، بل كان اختياراً في التخطيط يمكن تصحيحه بإخلاء مواقع أقل قيمة وتركيز القوة على القطاع الشرقي الذي أثبتت الأحداث أنه محور الخطر الرئيسي منذ مارس.
غياب الاحتياطي العملياتي
تحدر الإشارة إلي أنه لم تظهر عند الهجوم الحاسم على مدينة قيسان أي قوة احتياطية قادرة على إيقاف الاختراق، رغم توفر كتيبة مظلات ولواءين إضافيين وفقا لتنظيم الفرقة.
هذا يعني أن القيادة فشلت في تحويل التعزيزات المتاحة إلى قوة تدخل حقيقية، واختارت بدلاً من ذلك توزيعها على خط أمامي متمدد أصلاً، وهو قرار يتحمل مستوى القيادة الأعلي في الفرقة مسؤوليته الكاملة.
كما نذكر أن الهجمات تكررت على منطقة أموري أربع مرات خلال أقل من شهر، وكان تحالف “تأسيس” قد سيطر على الكرمك منذ مارس وأصبح على مقربة من قيسان، وكانت الحشود والتحركات باتجاه المدينة معروفة منذ ذلك الوقت.
إذن لم تكن المشكلة في نقص المعلومات بل في عجز القيادة عن ترجمتها إلى إعادة انتشار حاسمة تسبق الهجوم بدل أن تلحقه، وهذا يمثل إخفاقاً مباشراً في دورة الاستخبارات والقرار وليس ظرفاً خارجاً عن الإرادة.
كذلك اعتمدت الفرقة على خط مواقع أمامية -فشفون وأداسي ويارا وديم سعد- دون عمق خلفي يسندها أو دعم متبادل بينها، فسقطت قيسان بعد فترة قصيرة من السيطرة على فشفون.
وبالتوازي، فإن طول خطوط الإمداد -178 كيلومتراً إلى الدمازين، وأكثر من 60 كيلومتراً على طريق قيسان–باكوري وحده- كان يفرض حماية مستمرة لم تتوفر بالقدر الكافي مع توسع العمليات نحو الحدود، ما ترك الوحدات الأمامية عرضة للعزل عند أي ضغط على الطريق الرئيسي.
إن إدارة جبهة متعددة المحاور من مقر ثابت وبعيد تطلبت سرعة في نقل المعلومات وتحريك الاحتياط لم تتحقق، فقوات تحالف “تأسيس” انتقلت تدريجياً من الضغط على المواقع الأمامية إلى الهجوم المباشر على قيسان دون أن تعترضها قوة تدخل حاسمة.
وفي موازاة ذلك، لم تتحول مكاسب الجيش المتكررة -خور حسن ودوكان وكرن كرن ومقجة وسركم وفشفون- إلى وضع مستقر، لأن الفرقة كانت تنتقل من عملية إلى أخرى دون استكمال تثبيت سابقتها، وهو نمط يستنزف القوة ويمنع تكوّن احتياط حقيقي بدل أن يبنيه.
معضلة مركز الثقل بين الكرمك وقيسان
مثّلت مدينتا الكرمك وقيسان عقدتين متنافستين على القوة المتاحة، حيث أي دعم يُسحب من إحداهما يُضعف الأخرى مباشرة. وكان على قيادة الفرقة الرابعة مشاة أن تدرك بوضوح أن القطاع الشرقي، بعد أربعة هجمات على أموري وحشود معروفة حول قيسان، يمثل الأولوية القصوى، لكن الحسم لم يحدث بالقدر الكافي، وبقيت الموارد موزعة بتردد بين المحورين حتى سقطت قيسان.
كيف نفّذ تحالف “تأسيس” الهجوم الناجح
لعل التصور العسكري من زاوية قوات تحالف “تأسيس” يشير بوضوح أن هذه المعركة عكست تطبيقاً منضبطاً لمبدأ التركيز على نقطة الضعف بدل الاصطدام المباشر بمركز القوة وهو مبدأ عسكري معروف وصحيح عن تجربة.
وهنا لابد أن نستعرض كيف طبقت قوات تحالف “تأسيس” في وجود قوات الحركة الشعبية-جناح جوزيف توكا التي تمتلك خبرة واسعة بالمنطقة وأسلوب القتال الأنسب لكل معركة حسب طبيعتها.
فبعد اقتحام الكرمك في مارس، لم يندفع التحالف مباشرة نحو قيسان، بل انتقل إلى مرحلة استنزاف ممتدة استمرت نحو أربعة أشهر كاملة، حيث تم تنفيذ ضربات متكررة على أموري بمعدل هجوم كل أسبوعين تقريباً، واشتباكات متقطعة على محور مقجة وسركم، وضغط متكرر على محاور فرعية متعددة.
هذا النمط من العمليات التعرضية يحمل ملامح استنزاف مقصود و لا يبدو عشوائياً وهدف بالأساس إلى تثبيت اللواء 13 مشاة وأي قوات قد تستخدم للدعم في مواجهات متفرقة، ومنعها من التفرغ لبناء دفاع متماسك أو تكوين احتياطي، مع إجبار قيادة الفرقة على توزيع انتباهها بالتساوي بين الكرمك وقيسان بدل حسم الأولوية.
ثم كانت الخطوة المفصلية وهي استهداف نقطة الإمداد لا نقطة القوة مباشرة، عبر السعي لفتح مسار بديل عبر قيسان بعد إغلاق مسار الكرمك، وهو ما يجبر الطرف المدافع على تمديد خطوط حمايته بدل تقصيرها.
أما التوقيت النهائي للهجوم، فجاء مباشرة بعد سيطرة الجيش على فشفون، في لحظة كانت فيها قوة اللواء 13 مشاة منهكة من معركة حديثة ومنتشرة بين موقعين متجاورين دون فرصة لإعادة التمركز أو التعزيز، وهو ما يوحي بأن قوات تحالف “تأسيس” كانت تراقب لحظة الاستنزاف الأقصى للقوة المدافعة قبل أن يوجه ضربته الرئيسية مباشرة إلى قيسان نفسها بدل الاستمرار في الاشتباك مع الخط الأمامي.
هذا التسلسل – استنزاف ممتد، ثم ضربة على خط الإمداد، ثم استغلال لحظة إنهاك القوة المدافعة عقب انتصارها التكتيكي مباشرة – هو ما يمنح سقوط مدينة قيسان طابع العملية المخطط لها لا الهجوم الآني.
كما استفاد تحالف “تأسيس” من عامل التوقيت المناخي مع دخول موسم الخريف في النيل الأزرق، حيث يفرض فصل الخريف الماطر في إقليم النيل الأزرق واقع مختلف ويبدأ عادة في مايو/يونيو ويستمر إلى سبتمبر/أكتوبر، مع اختلاف التوقيت وشدة الأمطار من منطقة لأخرى، وتزداد معها صعوبة الحركة البرية في المناطق الريفية والطينية وتتعقد عمليات الإمداد والنقل.
وفي مثل هذه البيئة يصبح الطرف الأكثر قدرة على الحركة عبر المسارات المحلية والأقل اعتماداً على طرق رئيسية ثابتة في وضع أفضل. وتمتلك قوات الحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا معرفة ميدانية واسعة بتضاريس جنوب شرق النيل الأزرق ومساراتها، ما يمنح التحالف ميزة إضافية في اختيار محاور الاقتراب وتوقيت التحرك خلال الخريف.
إن سقوط مدينة قيسان هو نتيجة مباشرة لتراكم إخفاقات في التخطيط إضافة إلى ضعف في قدرة الوحدات المقاتلة. حيث أبقت الفرقة جزءاً كبيراً من قوتها موزعاً على جبهة تقارب 250 كيلومتراً، ولم تحوّل التعزيزات المتاحة – كتيبة المظلات، اللواء 14 مشاة، اللواء الرابع احتياطي- إلى قوة تدخل فعلية، واستمرت في القتال على أكثر من محور دون تحديد أولوية واضحة، وسمحت لخطوط إمدادها بالتمدد دون حماية كافية.
كانت الإشارات متوفرة بوضوح تام، فمع أربعة هجمات على أموري، وسقوط الكرمك، وحشود معلنة حول قيسان منذ مارس، وفرصة أخيرة تمثلت في السيطرة على فشفون، ومع ذلك لم تُترجَم أي من هذه الإشارات إلى إعادة انتشار حاسمة تسبق الهجوم بدل أن تعقبه.
تكشف المعركة عن خمسة اختلالات مترابطة في إدارة الفرقة، انتشار أمامي تجاوز قدرتها الفعلية، واحتياط غير قابل للاستخدام في التوقيت المناسب، وفشل في تحويل الإنذار المبكر إلى قرار، وقصور في ربط المواقع الأمامية بالعمق وخطوط الإمداد، وعجز عن تحويل المكاسب التكتيكية المتفرقة إلى سيطرة عملياتية مستقرة.
إن المسؤولية عن هذه الاختلالات تقع بالكامل على مستوى القيادة التي تحدد أين تقاتل الوحدات وبأي قوة وكيف تُدعم ومتى تُعزز وأين يتمركز الاحتياط، لا على الجنود الذين قاتلوا في المواقع التي كُلّفوا بالدفاع عنها.
والسؤال الأهم بعد فقدان الحيش لمدينة قيسان يبقي هو مدي قدرة الفرقة الرابعة مشاة على إعادة بناء دفاعها شرق الدمازين مع الحفاظ على محوري الكرمك والجنوب في آن واحد، وستتحدد الإجابة عبر قدرة القيادة على إعادة توزيع قوتها، وتقليص الانتشار غير الضروري، وبناء احتياط حقيقي قابل للتحرك السريع، وتأمين خطوط حركتها الطويلة. وإذا استمر نمط الانتشار نفسه دون تغيير جوهري، فستبقى مشكلة قيسان تتجاوز حدود مدينة واحدة عجزت عن الصمود.



