الأعمدة

نُقُد زعيم الحزب الشيوعي السوداني: رجل من نور يجسد مسيرة النضال ونموذج الطهر والنقاء

بقلم/ إيهاب الأمين
يعد الأستاذ محمد إبراهيم نقد من أبرز الشخصيات السياسية والفكرية في تاريخ السودان الحديث فهو زعيم الحزب الشيوعي وواحد من أهم الرموز الشعبية في السودان وقد حظي بسبب مبدئيته ونضاله باحترام كبير من الطبقة السياسية.
ولد محمد إبراهيم نقد عام 1930 في مدينة القطينة بالسودان لأسرة تعود جذورها إلى قبيلة الدناقلة بمنطقة حفير مشّو بالولاية الشمالية لكن الأسرة كانت قد استقرت في القطينة بولاية النيل الأبيض حيث درس في القطينة ثم أكمل تعليمه في مدرسة حلفا الأولية ثم حلفا الوسطى وهناك ظهرت ميوله الثقافية والاجتماعية فأشرف على جمعية التمثيل والمسرح بعدها التحق بكلية الآداب جامعة الخرطوم لكنه فصل منها بسبب نشاطه السياسي فسافر إلى أوروبا عام 1953 لدراسة الفلسفة والعلوم الاجتماعية في جامعة صوفيا ببلغاريا حيث واصل بها نشاطه السياسي قبل أن يعود إلى السودان عام 1958 متفرغا للعمل في الحزب الشيوعي.
وكان قد انخرط مبكراً في النشاط الوطني المناهض للاستعمار فشارك في مظاهرات عام 1946 ولم يكد يدخل مرحلة التعليم الثانوي حتى انخرط في النشاط السياسي مما أدى إلى فصله من كلية الآداب في جامعة الخرطوم مع سجنه شهراً كاملاً عام 1952.
اعتقل مطلع ستينيات القرن العشرين فقضى عاماً في السجن قبل قيام ثورة 21 أكتوبر 1964 التي فاز فيها في الانتخابات النيابية مرشحا عن الحزب الشيوعي لكن مكوثه في البرلمان لم يطل فقد صدر قرار بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان رغم صدور حكم المحكمة العليا السودانية بعدم دستورية الطرد.
شكل انقلاب 25 مايو 1969 حدثاً فارقاً في تاريخ السودان الحديث مع مجيء العقيد جعفر النميري إلى سدة الحكم وكان عام 1971 دموياً في البلاد ومفصل تحول في تاريخ الحزب الشيوعي نفسه إذ أُفشل انقلاب الشيوعيين فأمسك النميري بزمام السلطة من جديد وأعدم قيادات الحزب الشيوعي ومن بينهم زعيم الحزب عبد الخالق محجوب ورفيقاه الشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق، وفي سنة 1971 أصبح سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي السوداني عقب إعدام سلفه عبد الخالق محجوب وانتخب عضواً في البرلمان عن الحزب الشيوعي السوداني عام 1986 واستطاع خلال قيادته للحزب أن يعزز خيارات الشيوعيين السودانيين في زرع نبات يخرج من هموم الشعب المغلوب ويأخذ لونه دون أن يكون مرتهناً لخيارات الأيديولوجيا التي ميزت بعض الأحزاب الشيوعية في نسخ تجربة الحزب الشيوعي السوفيتي.
وبعد انهيار الديمقراطية الثالثة بانقلاب عمر البشير في نهاية يونيو 1989 اعتقل نقد وظل في السجن سنتين ثم وضع في الإقامة الجبرية وفي سنة 1993 لجأ إلى العمل السري واختفى عن الأنظار حتى عام 2005 حينما شهدت البلاد انفراجاً سياسياً وفي يناير 2009 تم التجديد له قائداً للحزب عبر المؤتمر العام الخامس الذي انعقد بعد أربعين عاما من المؤتمر السابق.
وكان معروفاً بذكائه الحاد وقدرته الفائقة على التحليل العميق للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وكتب العديد من الكتب والدراسات والمقالات التي تناولت قضايا السودان التنموية والسياسية بعمق كبير حيث أصدر عدداً من المؤلفات السياسية والفكرية منها قضايا الديمقراطية في السودان، وحوار حول النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية كما أصدر كتابين حول علاقات الأرض والرق في السودان.. وشارك في الحياة السياسية السودانية بكل حيوية ونشاط وظل رمزاً للثبات على المبادئ رغم التغيرات الجذرية في المشهد السياسي المحلي والإقليمي وقد رفض التخلي عن قناعاته الفكرية والسياسية التي آمن بها طوال حياته.
تحدث عنه العديد من الزعماء والسياسيين السودانيين بإجلال وتقدير واحترام فقال عنه الزعيم الصادق المهدي إنه كان مثقفاً عميقاً ووطنياً خالصاً لم تلوثه المصالح الشخصية الضيقة. وأشاد به الدكتور جون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان معتبرا إياه رمزاً للنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في السودان كما وصفه المفكر عبد الله الطيب بأنه رجل جمع بين صفاء السريرة وحب الوطن والتفاني في خدمة الشعب وكانت كلماته وأفعاله على المدى الطويل تعكسان التزاماً صارماً بالقضايا العادلة للشعوب المضطهدة.
انتقل إلى رحمة الله تعالى في 22/3/2012 بمدينة لندن تاركاً وراءه إرثاً فكرياً وسياسياً كبيراً لا يمكن تجاهله لتظل سيرته الذاتية درساً خالداً في الصبر والنضال والتضحية من أجل المبادئ والقيم النبيلة.

زر الذهاب إلى الأعلى