
بقلم/ إيهاب الأمين

ولد جون قرنق دي مبيور في عام 1945 في منطقة تورالي بولاية أعالي النيل والتي تعرف حالياً بولاية شمال بحر الغزال في جنوب السودان وكان قد نشأ في بيئة ريفية وتلقى تعليمه الأساسي في مدينة واو قبل أن ينتقل إلى تنزانيا لإتمام دراسته الثانوية ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث حصل على درجة البكالوريوس في العلوم الاقتصادية والسياسية من كلية غرينيل في ولاية آيوا وواصل مسيرته الأكاديمية في نفس الولاية وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراة في الاقتصاد الزراعي من جامعة ولاية آيوا.
التحق قرنق بالجيش السوداني في عام 1970 بعد تخرجه وتلقى تدريبات عسكرية متقدمة في مصر والمملكة المتحدة وشغل مناصب مختلفة في الجيش السوداني منها ضابط مهندسين عسكريين وضابط أبحاث في وزارة الدفاع السودانية ووصل إلى رتبة عقيد قبل أن ينشق عن الجيش. قبل أن نتحدث عن انشقاقه لابد أن نذكر أن الحرب الأهلية الأولى في السودان كانت قد اشتعلت في أغسطس 1955 عندما تمرد جنود جنوبيون في حامية توريت بجنوب السودان قبل استقلال السودان بأربعة أشهر تقريباً وانتشر التمرد لاحقاً وتحول إلى تمرد مسلح استمر حتى اتفاقية أديس أبابا عام 1972 أما انشقاق العقيد جون قرنق فقد كان في عام 1983 عندما أصدر الرئيس جعفر نميري أوامر بنقل قوات من جنوب السودان إلى الشمال فرفض قرنق تنفيذ هذه الأوامر وقاد تمرداُ مسلحاً أسس على إثره الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان وقد جاءت أسباب هذا التمرد بسبب التهميش السياسي والاقتصادي الممنهج الذي تعرض له جنوب السودان على يد الحكومات المتعاقبة في الخرطوم بالإضافة إلى ذلك كان قرار نميري بتطبيق قانون الشريعة الإسلامية في سبتمبر عام 1983 شرارة أشعلت غضب الجنوبيين المسيحيين وأتباع المعتقدات التقليدية ودفع قرنق لحمل السلاح.
كانت توجهات قرنق وأفكاره منذ البداية تركز على بناء سودان جديد موحد وعلماني وديمقراطي يتم فيه توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل بين جميع مكونات الشعب السوداني وكان يؤمن بفكرة السودان الجديد التي تتجاوز الانقسامات العرقية والدينية والجغرافية وقد تجسد إيمانه بالسودان الموحد في توقيعه على الاتفاقية الشهيرة في 16/11/1988 وهي مبادرة سلام تاريخية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عرفت باتفاقية الميرغني قرنق، وقع هذه الاتفاقية السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي والدكتور جون قرنق دي مبيور رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان وجاءت هذه المبادرة في ذروة المعاناة من الحرب الأهلية وسعت إلى معالجة جذور الأزمة السودانية بشكل قومي شامل وليس كقضية إقليمية معزولة ونصت الاتفاقية على عدة بنود جوهرية أهمها تجميد العمل بقوانين سبتمبر لعام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين وعدم إصدار أي قوانين جديدة تحتوي على مواد مماثلة حتى يفصل فيها المؤتمر القومي الدستوري المرتقب كما اشتملت على إلغاء كافة الاتفاقيات العسكرية الخارجية التي تمس السيادة الوطنية ورفع حالة الطوارئ في البلاد والإعلان عن وقف شامل لإطلاق النار دون استفتاء على الانفصال واتفق الطرفان على تشكيل لجنة تحضيرية قومية تمهد لانعقاد المؤتمر القومي الدستوري وتحدد جدول أعماله وضماناته على أن يعقد في 31/12/1988 وقد مثلت هذه الاتفاقية فرصة حقيقية للحفاظ على وحدة السودان وإحلال السلام إلا أنها قوبلت بمعارضة شديدة من قوى سياسية أخرى مما أدى إلى إفشالها ودفن فرص السلام في تلك المرحلة.
ومع مرور الوقت وتغير الظروف الإقليمية والدولية وتحول موازين القوى بدأ قرنق يطرح حق تقرير المصير لجنوب السودان كخيار نهائي إذا لم يتم تحقيق العدالة في السودان الموحد.
حظيت حركة قرنق بدعم من عدة دول إقليمية ودولية عبر مراحل مختلفة وكانت إثيوبيا تحت حكم منغستو هي الداعم الأول والرئيسي في الثمانينات حيث وفرت قواعد آمنة للتدريب كما تلقت الحركة دعماً من أوغندا بقيادة يوري موسيفيني وإريتريا. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتغير السياسة الأمريكية بدأت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أوروبية في تقديم دعم سياسي ولوجستي للحركة الشعبية، بينما على الصعيد الداخلي تبع قرنق العديد من الشماليين والسودانيين من مناطق الهامش الذين آمنوا بفكرة السودان الجديد وبرز من بين الشماليين الذين انضموا للحركة أو تحالفوا معها سياسياً شخصيات مثل ياسر عرمان الذي أصبح ناطقاً باسم الحركة وقيادياً بارزاً فيها كما انضم إلى مظلة الحركة الوطنية الديمقراطية التي كانت تضم أحزاب المعارضة الشمالية العديد من السياسيين والحقوقيين الذين عارضوا نظام الإنقاذ. وخاض قرنق مفاوضات طويلة وشاقة مع الحكومة السودانية انتهت بتوقيع عدة بروتوكولات أهمها بروتوكول مشاكوس زتوجت هذه الجهود بتوقيع اتفاقية نيفاشا الشاملة للسلام في كينيا عام 2005 وقد نصت الاتفاقية على وقف إطلاق النار وتقاسم الثروة والسلطة وإدارة مناطق متنازع عليها مثل أبيي وجنوب كردفان وشرق النيل الأزرق والأهم من ذلك كله كانت الاتفاقية تمهد الطريق أمام جنوب السودان للحصول على حكم ذاتي لمدة ست سنوات يعقبها استفتاء على حق تقرير المصير وبعد توقيع نيفاشا عاد قرنق إلى الخرطوم في جو احتفالي كبير وأدى اليمين الدستورية نائباً أولاً لرئيس الجمهورية في حكومة الوحدة الوطنية وبدأ في تنفيذ بنود الاتفاقية وتأسيس مؤسسات حكومة جنوب السودان وقد كانت فترة ما بعد نيفاشا مليئة بالتحديات والمخاوف من انهيار السلام بسبب الخلافات حول تنفيذ البنود خاصة فيما يتعلق بترسيم الحدود وإدارة النفط.
وفي 30/7/2005 لقي جون قرنق مصرعه في حادث تحطم طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الأوغندي في منطقة نيوكوش جنوب إثيوبيا وكان في طريق عودته من اجتماع مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفي وأعلنت الحكومتان السودانية والأوغندية أن سبب الحادث هو سوء الأحوال الجوية ورغم الرواية الرسمية للحادث إلا أن نظريات عديدة تحدثت عن تصفية قرنق اغتيالاً وشكك العديد من السياسيين والمحللين في رواية الحادث واعتبروها مؤامرة ووجهت أصابع الاتهام شعبياً وإعلامياً إلى بعض أجهزة الدولة وبعض الأجهزة الدولية التي كانت ترى في قرنق عائقا أمام مصالحها في منطقة القرن الأفريقي الغنية بالنفط لكن لم تثبت أي أدلة قاطعة على صحة نظريات الاغتيال وبقيت الرواية الرسمية هي المعتمدة دولياً.
عقب وفاته نعى العقيد جون قرنق قادة العالم والزعماء الأفارقة والعرب فقال عنه الرئيس الأمريكي جورج بوش إنه كان بطلا للسلام وشريكاً حقيقياً في بناء سودان جديد وأشاد به رئيس الوزراء البريطاني توني بلير كقائد شجاع ضحى من أجل حرية شعبه كما نعاه الرئيس المخلوع عمر البشير في خطاب متلفز ووصفه بالشريك الذي ضحى من أجل السلام رغم الخلافات السابقة أما سلفا كير الذي خلفه في قيادة الحركة فقد وصفه بالمعلم والقائد الذي رسم طريق الحرية لجنوب السودان.



