الأعمدة
أخر الأخبار

دكاترة في طواحين دار مالي وأبو حمد.. حين تدفع قسوة الاقتصاد الشباب نحو الصحراء

بقلم: مصعب محمد خير

مقال يرصد ظاهرة اتجاه الأطباء والمهندسين وخريجي الجامعات إلى طواحين الذهب في دار مالي وأبو حمد، في ظل الأزمة الاقتصادية وندرة فرص العمل.

شاهدت مقطع فيديو على منصة «فيسبوك» لمجموعة من الشباب في مناطق طواحين الذهب، بينهم خريجو كليات الطب والهندسة وتخصصات جامعية مختلفة، اختاروا العمل في التعدين بحثاً عن مصدر دخل وحياة أفضل.

المشهد، في دار مالي وأبو حمد، لا يتعلق بالذهب وحده، بل يعكس واقعاً اقتصادياً واجتماعياً تتغير ملامحه يوماً بعد يوم تحت ضغط الحاجة، وندرة فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة.

هناك، حيث تنتشر طواحين الذهب ومواقع التعدين، تتقاطع أحلام الشباب مع قسوة الواقع. شباب يحملون شهادات جامعية، وبعضهم من أصحاب المهن والتخصصات المختلفة، يجدون أنفسهم أمام سؤال صعب: أين يمكن أن يجد الإنسان فرصة عمل تحفظ له كرامته وتوفر له دخلاً يستطيع من خلاله مواجهة أعباء الحياة؟

وفي ظل محدودية الخيارات، يصبح الذهب خياراً مغرياً، سواء عبر التعدين الأهلي أو العمل مع الشركات.

لكن المشهد الأكثر إثارة للتساؤل هو أن ترى أصحاب مؤهلات جامعية، بل وحتى أطباء ومهندسين ومتخصصين، يتركون أو يعجزون عن ممارسة تخصصاتهم، ويتجهون إلى مناطق التعدين وطواحين الذهب بحثاً عن مصدر دخل.

ليس لأنهم فقدوا الرغبة في العلم أو المهنة، وإنما لأن الظروف الاقتصادية أصبحت أقوى من قدرة كثيرين على الانتظار. فالعمل في مناطق التعدين قد يوفر دخلاً يراه البعض أكثر جاذبية من الراتب الذي يحصلون عليه في وظائفهم المهنية، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

ومن قاعات الدراسة إلى طواحين الذهب، يصبح السؤال أكبر من مجرد اختيار مهني. فحين يترك الطبيب عيادته، والمهندس مجاله، والخريج تخصصه، بحثاً عن فرصة في التعدين، فإن الأمر يستحق التوقف عنده بوصفه مؤشراً على أزمة أعمق في سوق العمل والاقتصاد.

التعدين الأهلي أصبح بالنسبة إلى كثير من الشباب أحد الأبواب القليلة المفتوحة. فالذهب لا يحتاج إلى سيرة ذاتية، ولا إلى انتظار إعلان وظيفة، ولا إلى منافسة مئات الخريجين على مقعد واحد. إنه قطاع يستطيع الشاب دخوله بحثاً عن دخل سريع، حتى وإن كان ذلك بعيداً عن تخصصه ومؤهلاته.

لكن خلف هذا الإغراء المالي توجد كلفة أخرى. فالتعدين ليس مجرد طريق إلى المال، بل عمل شاق ومحفوف بالمخاطر، وقد يفرض على الشباب ظروفاً معيشية ومهنية قاسية، فضلاً عن أنه قد يؤدي إلى ابتعاد أصحاب التخصصات عن مجالاتهم التي أنفقوا سنوات في دراستها والتدريب عليها.

إذا كان خريج الجامعة لا يجد وظيفة، وصاحب المهنة لا يجد سوقاً، والمشروع الصغير يواجه تكاليف تشغيل قاسية، فمن الطبيعي أن يبحث الشباب عن المكان الذي يستطيعون فيه الحصول على دخل سريع.

لذلك، فالمشكلة ليست في الذهب وحده، ولا في وجود الأطباء والمهندسين بين طواحين دار مالي وأبو حمد وجبال النمر واللوبي والصحاري.

المشهد في حد ذاته مؤشر على عمق المشكلة الاقتصادية، وعلى الحاجة إلى إعادة النظر في سوق العمل، وخلق فرص حقيقية أمام الشباب، ودعم الإنتاج والمشروعات الصغيرة، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد.

حين يترك صاحب التخصص مجاله ويتجه إلى التعدين، علينا ألا نسخر منه ولا نلومه؛ بل علينا أن نسأل: ما الظروف التي دفعته إلى ترك العيادة أو المستشفى أو مكتب الهندسة، والاتجاه إلى مناطق التعدين؟

ربما يكون الذهب بالنسبة إليه ليس حلماً بالثراء، وإنما محاولة للنجاة من واقع اقتصادي لم يترك أمامه خيارات كثيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى