الأعمدة

واشنطن وطهران بين رسائل التهدئة وشروط القوة – قراءة استراتيجية في احتمالات المواجهة والتسوية

أولاً: المشهد الراهن
تشهد العلاقات الأمريكية–الإيرانية تصعيداً حذراً منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، بعد حملة انتخابية ركزت على “إعادة الردع الأمريكي” في الشرق الأوسط.
تزامن ذلك مع تصاعد الهجمات على القوات الأمريكية في العراق وسوريا والبحر الأحمر، واتهام واشنطن لطهران ووكلائها بالمسؤولية عنها. في المقابل، تؤكد إيران أن وجودها الإقليمي “دفاعي وردعي”، وأنها لن تتنازل عن حقوقها النووية أو الصاروخية.
تؤكد تقارير استخباراتية وإعلامية متقاطعة أن قنوات اتصال غير مباشرة فُتحت بين واشنطن وطهران عبر وسطاء، أبرزهم سلطنة عمان وقطر وسويسرا، في محاولة لتفادي مواجهة عسكرية شاملة.
هذه القنوات تركز على “ضبط السلوك الإيراني” مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، لكن المفاوضات لا تزال في مرحلة جسّ النبض.

ثانياً: الشروط الأمريكية الجديدة
وفق تسريبات من مصادر دبلوماسية في واشنطن، وضعت إدارة ترامب الثانية مجموعة من الشروط الصارمة أمام طهران، تتضمن:
وقف تخصيب اليورانيوم فوق النسبة المدنية (3.67%) وإخضاع المنشآت النووية لرقابة كاملة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، ووقف تطوير الطائرات المسيّرة الهجومية.
إنهاء الدعم العسكري والمالي للوكلاء الإقليميين في لبنان واليمن والعراق وسوريا وغزة.
ضمان حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
التزام بعدم تهديد إسرائيل أو القوات الأمريكية في المنطقة.
هذه الشروط، التي يصفها مراقبون بأنها “شروط استسلام سياسي”، تمس جوهر القوة الإيرانية الردعية والإقليمية، وتجعل قبولها شبه مستحيل دون مقابل استراتيجي كبير.

ثالثاً: الموقف الأمريكي في عهد ترامب (2025–2029)
تتبنى إدارة ترامب الثانية سياسة “الضغط الأقصى 2.0″، وهي نسخة أكثر تشدداً من استراتيجيتها السابقة .
تعتمد هذه السياسة على مزيج من العقوبات الاقتصادية الخانقة، والتهديد العسكري المباشر، مع فتح قنوات خلفية للوساطة عبر الحلفاء الخليجيين.
أهداف واشنطن المعلنة:
منع إيران من امتلاك سلاح نووي أو الاقتراب من العتبة النووية.
تحجيم النفوذ الإيراني الإقليمي الذي تعتبره واشنطن تهديداً لمصالحها وحلفائها.
ضمان أمن إسرائيل والخليج واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
تؤكد مصادر في وزارة الدفاع الأمريكية أن البنتاغون وضع خططاً جاهزة لضربات محدودة ضد منشآت نووية وصاروخية داخل إيران، في حال فشل المسار الدبلوماسي أو استمرار الهجمات على القوات الأمريكية.

رابعاً: الموقف الإيراني وخيارات طهران
الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان، المنتخب في منتصف 2025، يواجه معضلة داخلية معقدة بين تيار المحافظين المتشددين بقيادة الحرس الثوري، وتيار إصلاحي يسعى لتخفيف العقوبات عبر التفاوض.
إيران تعتبر الشروط الأمريكية محاولة لإضعافها استراتيجياً وتحويلها إلى دولة تابعة، وترى أن برنامجها النووي والصاروخي “حق سيادي غير قابل للمساومة”.
خيارات إيران المحتملة:
المناورة الدبلوماسية:
قبول تفاهمات جزئية عبر وسطاء (عُمان وقطر) مقابل تخفيف محدود للعقوبات، دون المساس بجوهر البرنامج النووي.
التصعيد الإقليمي المحسوب:
زيادة الضغط عبر الوكلاء في العراق واليمن ولبنان، لإجبار واشنطن على التفاوض من موقع الندية.
التحالفات الشرقية:
تعزيز التعاون مع الصين وروسيا في مجالات الطاقة والتسليح والتكنولوجيا، لتقويض فعالية العقوبات الأمريكية.
الردع العسكري غير المباشر:
استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لتهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية دون الدخول في حرب شاملة.

خامساً: احتمالات الضربة العسكرية
رغم تصاعد الخطاب الأمريكي، تشير تقديرات مراكز الأبحاث إلى أن الاحتمال الأكبر هو استمرار سياسة الردع دون حرب شاملة.
لكن في حال وقوع هجوم كبير على القوات الأمريكية أو الملاحة الدولية، فإن خيار الضربة المحدودة ضد منشآت داخل إيران سيصبح مرجحاً.
عوامل قد تسرّع المواجهة:
فشل الوساطة العمانية والقطرية.
هجوم واسع من وكلاء إيران على أهداف أمريكية أو إسرائيلية.
تصعيد إسرائيلي منفرد ضد منشآت نووية إيرانية.
تؤكد تقارير Wall Street Journal وReuters أن البنتاغون عزز وجوده في الخليج والبحر الأحمر، ونشر منظومات دفاعية متقدمة في قواعده بالعراق والكويت وقطر، تحسباً لأي طارئ.

سادساً: التداعيات الإقليمية المحتملة
الخليج العربي:
أي مواجهة ستؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 120 دولاراً للبرميل، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي.
اليمن والعراق وسوريا:
وكلاء إيران سيكثفون هجماتهم على القواعد الأمريكية والإسرائيلية، مما يفتح جبهات متعددة.
إسرائيل:
ستواجه تهديدات صاروخية من حزب الله وغزة وربما من الجولان، ما قد يدفعها إلى حرب متعددة الجبهات.
الاقتصاد العالمي:
اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والمعادن، وتأثر الأسواق الآسيوية والأوروبية.

سابعاً: التقييم الاستراتيجي
الولايات المتحدة تسعى إلى فرض توازن جديد في الشرق الأوسط عبر الضغط الاقتصادي والعسكري دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

إيران تخوض معركة وجودية للحفاظ على مكانتها كقوة إقليمية مستقلة.
الوسطاء الإقليميون (عُمان وقطر وسويسرا) يلعبون دوراً محورياً في منع الانفجار عبر قنوات خلفية.
السيناريو المرجح (2026): استمرار التوتر عند مستوى “الاشتباك المنضبط”، مع مفاوضات غير معلنة تفضي إلى تفاهم مؤقت حول النووي والملاحة.

ثامناً: الخلاصة
الشروط الأمريكية تمثل سقفاً تفاوضياً أكثر من كونها خطة تنفيذية، إذ تدرك واشنطن أن طهران لن تتخلى عن أدوات قوتها بسهولة.
إيران من جانبها تراهن على الوقت والتحالفات الشرقية لتقوية موقفها التفاوضي، بينما تراهن واشنطن على العقوبات والردع العسكري لإجبارها على التنازل.
الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة توازن دقيق بين الردع والتفاهم، حيث قد تحدد الأشهر المقبلة ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو صفقة جديدة أو مواجهة محدودة تعيد رسم خرائط النفوذ.

المصادر المعتمدة (حتى 29 يناير 2026):
Washington Post, Wall Street Journal, Reuters, BBC Arabic, Al-Monitor.
دراسات Brookings Institution, Carnegie Middle East Center, International Crisis Group.
تصريحات رسمية من البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، وبيانات وزارة الخارجية الإيرانية.
تقارير مراكز أبحاث إيرانية مثل Tehran Strategic Studies Center وISNA Analysis Unit.

زر الذهاب إلى الأعلى