الأعمدة

كواسي أبياه يتحصّن بالصمت.. وأزمة المستحقات المالية المتأخرة للحرس القديم تُلقي بظلالها على تحضيرات “صقور الجديان” قبل انطلاق تصفيات الكان أمام إثيوبيا

“

كتب: معاوية أبو الريش
في محاولة لاستطلاع ملامح المرحلة المقبلة لمنتخب السودان لكرة القدم، وفي ظل حالة الترقب التي يعيشها الشارع الرياضي السوداني قبيل انطلاق مشوار التصفيات المؤهلة للنسخة القادمة من كأس الأمم الأفريقية “الكان”، سعيتُ إلى التواصل مع المدير الفني الغاني كواسي أبياه، المتواجد حالياً في بلاده غانا عقب انتهاء فترة الراحة التي أعقبت آخر معسكرات المنتخب. طرحتُ على المدرب مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تشغل بال الجماهير السودانية منذ أسابيع، من قائمة اللاعبين المرتقبة إلى طبيعة علاقته بإدارة الاتحاد، غير أن أبياه اختار التزام حذر شديد ونبرة دبلوماسية واضحة، مكتفياً بإجابات مقتضبة ومحسوبة، تهرّب من خلالها عن معظم القضايا الشائكة المطروحة على الساحة الكروية، وهو ما يعكس -بحسب مراقبين- حرصه على عدم الانجرار إلى أي جدل قبل الإعلان الرسمي عن قراراته، خاصة في ظل أزمة متصاعدة تتعلق بمستحقات مالية متأخرة للاعبين.
استهلال التصفيات على “أرض افتراضية”.. ومعسكر مرتقب في السعودية
يستهل منتخب السودان مشواره في تصفيات كأس الأمم الأفريقية المقبلة باستقبال ضيفه المنتخب الإثيوبي، في مواجهة ستُقام على أرض “صقور الجديان” الافتراضية بملعب جوبا الوطني في جنوب السودان، نظراً لعدم توفر ملاعب معتمدة داخل السودان حالياً بسبب الظروف الراهنة التي يمر بها البلد. وأوضح أبياه أن المنتخب -بحسب علمه- سيدخل معسكراً تحضيرياً قصيراً في المملكة العربية السعودية قبيل خوض هذه المواجهة المفصلية التي تحمل أهمية خاصة كونها البداية الفعلية لمشوار المنتخب نحو التأهل للبطولة القارية.
غير أن أبياه لم يقدّم أي تفاصيل إضافية تُذكر حول موعد بداية هذا المعسكر أو مدته الزمنية، ولا حول المدينة التي قد تستضيف المنتخب الوطني ، كما لم يوضح ما إذا كانت هناك مباريات ودية مرتقبة ضمن برنامج الإعداد، وهو غموض ترك الباب مفتوحاً أمام تكهنات الجماهير والإعلاميين حول الجدول الزمني الحقيقي لتحضيرات المنتخب قبل موعد استحقاق جوبا.
أزمة المستحقات المالية المتأخرة تهدد مشاركة “الحرس القديم”
في خضم ذلك ، تبرز على الساحة أزمة مستحقات اللاعبين الذين يمثلون العمود الفقري للمنتخب وقيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم، على خلفية مطالبة هؤلاء اللاعبين بمستحقات مالية متأخرة لم تُصرف لهم حتى الآن. هذه الأزمة، التي تفاقمت في الفترة الأخيرة، تُلقي بظلالها بشكل مباشر على الأجواء العامة المحيطة بالمنتخب، وتضع كواسي أبياه أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على تماسك تشكيلته الأساسية واستقرارها من جهة، والتعامل مع ملف مالي وإداري بحت لا يملك -بصفته مديراً فنياً- صلاحية مباشرة لحله من جهة أخرى.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الأزمة دون حل عاجل قد يُلقي بظلاله على جاهزية بعض العناصر الأساسية للانضمام إلى المعسكر المرتقب في السعودية، بل وقد يدفع بعض اللاعبين إلى اتخاذ مواقف احتجاجية تُربك حسابات الجهاز الفني قبيل مباراة بهذه الأهمية. وفي هذا السياق بالذات، جاء سؤالي لأبياه حول اللاعبين الذين تربطهم خلافات مع قادة الاتحاد، ليكشف بشكل غير مباشر عن وعيه بحساسية هذا الملف، دون أن يفصح عن موقفه الحقيقي منه أو عن أي خطوات عملية يعتزم اتخاذها لاحتوائه.
قائمة اللاعبين.. إجابات فضفاضة تُبقي الغموض قائماً
عند سؤاله عن الموعد المتوقع للإعلان عن قائمة المنتخب، وما إذا كان سيستدعي “الحرس القديم” من اللاعبين الذين شكّلوا العمود الفقري للفريق على مدى السنوات الماضية وقادوه في محطات مفصلية -وهم أنفسهم من يقفون اليوم في قلب أزمة المستحقات المالية- اكتفى أبياه بالقول إنه سيوجّه الدعوة “لكل لاعب جيد يمكنه تمثيل السودان”، وهي عبارة عامة وفضفاضة لم تحمل أي إشارة واضحة إلى فلسفته في الاختيار، ولا إلى كيفية تعامله مع احتمال تأثر بعض هؤلاء اللاعبين نفسياً أو مادياً بأزمة المستحقات المتأخرة.
وحين طرحت عليه أسماء محددة من نجوم المنتخب ، من بينهم القائد محمد عبد الرحمن ” الغربال ” ، ووالي الدين خضر بوغبا ، وعبد الرؤوف يعقوب، وصلاح عادل ، ومحمد المصطفى، ومصطفى كرشوم، وغيرهم من اللاعبين الأساسيين الذين يُعتبرون ركائز أساسية في المنظومة الفنية للمنتخب ، فضّل أبياه عدم الخوض في التفاصيل والتزم الصمت إزاء هذا السؤال تحديداً، تاركاً الجماهير السودانية في حالة ترقب وتساؤل مستمر حول مصير هؤلاء اللاعبين مع المنتخب ، خصوصاً في ظل التقارير المتداولة عن استيائهم من تأخر مستحقاتهم المالية.
“الوطن أولاً”.. رد مقتضب على أزمة الخلافات مع الاتحاد
أما فيما يتعلق بالسؤال الأكثر حساسية، والخاص باللاعبين الذين تربطهم خلافات قائمة مع قادة الاتحاد السوداني لكرة القدم -وفي مقدمتها أزمة المستحقات المالية المتأخرة- فقد جاء رد المدرب موجزاً وحاسماً: “الوطن أولاً”، وهي عبارة فُهم منها أنه يضع المصلحة الفنية والرياضية العليا فوق أي خلافات مالية أو إدارية قائمة بين اللاعبين وقيادات الاتحاد. غير أن هذا الرد، على وجازته، لم يوضح الآلية العملية التي سيتبعها أبياه في التعامل مع هذا الملف الشائك، ولا ما إذا كان سيتدخل شخصياً لدى إدارة الاتحاد للمطالبة بحل أزمة المستحقات حفاظاً على استقرار تشكيلته، أو سيترك الأمر برمّته لإدارة الاتحاد لتسويته بمعزل عن الجهاز الفني، خاصة أن الوقت أصبح ضاغطاً مع اقتراب موعد أولى مباريات التصفيات.
تحفظ لافت إزاء أسئلة “التدخل الإداري”
الأسئلة الأكثر حساسية في هذا الحوار، والمتعلقة بمدى استقلالية أبياه في اختياراته الفنية، وما إذا كان سيسمح لقيادات الاتحاد بالتدخل في قراراته الخاصة بالتشكيلة والقائمة، قوبلت بتحفظ واضح من المدرب، الذي اختار في البداية الرد بعبارة مقتضبة مفادها أنه “سيجيب عندما يحين الوقت المناسب”، قبل أن يكتفي لاحقاً بكلمة شكر مقتضبة أنهى بها تفاعله مع هذا المحور تحديداً، متجنباً الخوض في جدل يرى كثير من المتابعين والمحللين الرياضيين أنه يمس جوهر العلاقة بين الجهاز الفني وإدارة الاتحاد، خاصة في ظل الأزمة المالية المشتعلة حالياً مع نخبة من عناصر المنتخب.
وكانت شريحة واسعة من الجماهير السودانية قد أبدت في وقت سابق تذمرها مما تصفه بـ”فرض” بعض الأسماء على الجهاز الفني من قبل قيادات الاتحاد، معتبرة أن هذا التدخل -إن صحّ- ينتقص من صلاحيات المدرب الفنية ويؤثر سلباً على انسجام التشكيلة وتماسكها، وهو ما يزداد تعقيداً الآن مع أزمة المستحقات المالية التي قد تدفع بعض اللاعبين الأساسيين إلى التلويح بالاعتذار عن المشاركة إن لم تُحل قبل موعد المعسكر. وهو ملف حاولتُ من خلال هذا الحوار تسليط الضوء عليه بشكل مباشر وصريح، إلا أن أبياه فضّل عدم الدخول في تفاصيله، مكتفياً بلغة دبلوماسية حذرة لم تُشبع فضول الجماهير المتعطشة لإجابات واضحة وصريحة.
اختبار حقيقي على أكثر من جبهة قبل صافرة انطلاق التصفيات
يبقى المدرب الغاني كواسي أبياه، الذي يحظى باحترام واسع من الأوساط الرياضية السودانية بفضل إنجازاته السابقة مع المنتخب وسجله الحافل في القارة الأفريقية، أمام اختبار حقيقي في المرحلة المقبلة، لا يقتصر فقط على الجانب الفني في قيادة “صقور الجديان” لمواجهة إثيوبيا على أرضهم الافتراضية بملعب جوبا الوطني واستهلال مشوار التصفيات بأفضل صورة ممكنة، بل يمتد أيضاً إلى إدارة أزمة مالية طاحنة باتت تهدد استقرار العمود الفقري لتشكيلته، وإلى إدارة العلاقة الحساسة مع الجماهير التي تنتظر منه إجابات أكثر وضوحاً وشفافية حول قائمة اللاعبين المرتقبة، ومصير نجوم المنتخب الذين قدّموا الكثير للقميص الوطني، إضافة إلى طبيعة العلاقة الحقيقية بينه وبين قادة الاتحاد السوداني لكرة القدم.
ويبقى السؤال الأهم مطروحاً بقوة على الساحة الرياضية السودانية: هل تنجح إدارة الاتحاد في حل أزمة المستحقات المالية قبل موعد المعسكر السعودي المرتقب، وهل سيكسر أبياه صمته قريباً ويخرج بتصريحات أكثر وضوحاً تطمئن الجماهير قبل صافرة انطلاق التصفيات في جوبا، أم أن الجميع سيظل ينتظر إجابات شافية حتى موعد الإعلان الرسمي عن قائمة المنتخب؟ الأيام القليلة المقبلة كفيلة بالإجابة عن هذه التساؤلات كافة.

زر الذهاب إلى الأعلى