الأعمدة

واحدة من أخطر أوهام الحرب وهم ان مصير الشعب أصبح مربوطا إلى الأبد بإرادة الذين أشعلوا النار .

كتب الأستاذ/ سيدي أوشكور :
أن هذه الحرب في المقام الأول إستهدفت المدنيين والان تحاول قتل إمكانية الكلام بين المدنيين
و ما زال في الشعب من العقل والأخلاق ما يكفي لإيقاف الحرب وهذه ربما تكون الحقيقة التي ينبغي ألا يسمح لنا الغضب أن ننساها فالحرب مهما طال أمدها لا تعني أن الشعب فقد قدرته على التفكير وما زالت فرص السلام موجودة لأن الذين بدأوا الحرب ليس بالضرورة هم الذين يجب أن ينهوها و إرتفاع صوت التحريض لا يعني أن الجميع أصبحوا أسرى له فما زالت هناك أصوات تعرف أن الخصومة لا تجعل الإنسان أقل إنسانية وأن الجريمة لا تبرر بجريمة أخرى وأن مسؤولية الفرد لا يمكن أن تتحول إلى إدانة لجماعة بأكملها و المطالبة بالعدالة لا تستوجب إلغاء إمكانية التعايش وأخطر ما يفعله المحرض في الحرب هو أن يقنع الناس بأن اللحظة التي يمكن فيها إيقاف الحرب قد انتهت و الدم الذي سُفك جعل العودة إلى الكلام مستحيلة هذه الفكرة تحديدًا هي التي تمنح الحرب قدرتها على الاستمرار إذ تجعل كل جريمة سببًا لجريمة جديدة وكل ضحية مبررا لضحية أخرى وكل انتقام مقدمة لانتقام آخر حتى أصبح استمرار الحرب أسهل نفسيًا من إيقافها لكن وجود هذا القدر من الألم والكراهية لا يعني أن العقل مات ولا أن الأخلاق اختفت ولا أن الشعب أصبح عاجزًا عن استعادة قدرته على التمييز فما زال هناك من يستطيع أن يقول إن حماية المدنيين ليست انحيازًا لطرف و رفض قتل الأبرياء ليس دفاعًا عن طرف و السلام ليس مكافأة للمجرم و التفاوض ليس خيانة للضحايا و العدالة يمكن أن تكون شرطًا للسلام لا نقيضًا له وإن إنهاء الحرب لا يعني نسيان ما حدث بل يعني منع ما حدث من إنتاج نفسه مرة أخرى وهنا تصبح مسؤولية أصحاب العقل والأخلاق أكبر من مجرد رفض الحرب في دواخلهم لأن الصمت أمام ثقافة تجعل العنف قدرا محتوما يسمح للمحرضين بأن يحتكروا المجال العام المطلوب هو إعادة فتح المساحة التي أغلقها الغضب مساحة السؤال ومساحة الاختلاف و الاعتراف و الحوار ومساحة التفكير في المستقبل خارج منطق السلاح فإن استعادة القدرة على الكلام ليست موقفًا ناعمًا أمام واقع قاسي بل هي فعل مقاومة للحرب لأن كل كلمة تعيد للخصم إنسانيته وكل رفض للتعميم يقطع طريقا من طرق المحرضين وكل تمييز بين المذنب والبريء يعيد للعدالة معناها وكل رفض للانتقام الجماعي يحمي المستقبل من أن يصبح نسخة أخرى من الماضي و الكلمة التي تُستخدم للتحريض يمكن إستبدالها لتصبح وسيلة للإنقاذ فإن القول إن الحرب مستمرة لا ينبغي أن يتحول إلى إن إيقافها مستحيل وما زالت هناك إمكانية للعودة من حافة العنف إلى مساحة يستطيع فيها الكلام أن يفعل ما لم يستطع السلاح أن يفعله .
الثورة مستمرة وديسمبر باقيه والتغيير حتمي.

زر الذهاب إلى الأعلى